المقالات

المقالات

ترانيم اردوغان الدموية

Hussein Omar
  • 52 مشاهدة view

اكتملت اللوحة الأن، بعد أن وافق أغلبية أعضاء البرلمان التركي، على رفع الحصانة عن برلماني حزب الشعوب الديمقراطية، الذي يمهد السبيل لاعتقالهم وزجهم في السجون، وهو الفصل الأخير من فصول معركة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لإقصاء الكرد من الدفاع عن قضيتهم، ولم يبق إلا ساحة المعركة. وقد صرح الرئيس المشترك لحزب الشعوب صلاح الدين دمرتا معلنا استمرارهم في النضال بكل أشكاله مؤكدا: (إننا كبرادة الحديد من يحاول هرسنا ستنكسر أسنانه. لن نستسلم بسهولة لقراراتكم اللاديمقراطية وسنتابع ما بدأناه خارج البرلمان، لن ننعدم الوسيلة).

يمكن القول بأن يوما آخر من الأيام المفصلية في تاريخ النضال السلمي الكردستاني في تركيا قد بدأ وهو بالحقيقة يوم دام، دون إطلاق الرصاص، هو يوم سيغير العديد من المعطيات في التراتبية النضالية التي تخوضها كوكبة من أبناء الشعوب الذين توحدوا ضمن إطار حزب الشعوب للسير بتركيا نحو الديمقراطية الحقيقية والمساواة القومية.
وبالعودة الى بدايات استلام حزب اردوغان (العدالة والتنمية) السلطة في تركيا عام 2002، لم يترك فرصة سانحة لإنهاء القضية الكردية التي بدأ حكمه بتعريفها بأن “ما يجري في جنوب شرق الأناضول سببها سوء الأوضاع المعيشية”، اختزل المطالبة بالحرية في لقمة العيش، وبدأ محاولاته بفصل الجماهير الكردية عن حزب العمال الكردستاني (PKK)، وكانت الأيام الأولى لاستلامه رئاسة الوزراء بعد خروجه من السجن بتهم نشر الخطاب الأصولي، إرسال طائراته الحربية لقصف معاقل مقاتلي الحزب، والذي استمر في تنفيذ وقف إطلاق النار الذي أعلنه من جانب واحد لفتح المجال أمام بادرة تفضي بحل القضية سلميا وقدم العديد من الاقتراحات للوصول إلى سلام دائم في هذا الاطار.

أجج اردوغان عواطف الناس واستغل الجانب الديني منه بين الجماهير الكردية، وحرك المشاعر القومية في الشارع التركي من خلال طرح شعاره – علم واحد، لغة واحدة، شعب واحد، وطن واحد- كتحدي وجواب واضح على أنه لن يعترف حتى بالحقوق الإنسانية الأساسية للشعب الكردي ومنها اللغة (20 مليون كردي محرومون من لغتهم تقريبا).

هذا الشعار الذي يرافق خطاباته حتى الآن، أدى إلى مزج الهوس الديني مع القومي الذي عمل أتاتورك ومن بعده الحكومات المتعاقبة على فصله من خلال تضخيم الأنا القومية وشعاره المعروف -ما أسعدني لأنني تركي– والذي فرض على الكرد والعرب والآخرين.. وترديده في محاولة لصهر تلك الأقوام، وهو ما حصل إلى حد كبير فعلا.

ما أخذه اردوغان من الأتاتوركية هو هذا، مع تطعيمه بقناعاته الدينية الأصولية. وكي يكسب المتدينين لجانبه رفع شعار الدفاع عن فلسطين في ظل علاقة قوية بين تركيا وإسرائيل، هذه العلاقة التي يعتقد المراقبون بانها تأثرت بعد هجوم الكوماندوس الإسرائيلي على سفينة مساعدات تركية متجهة نحو غزة في عرض البحر الأبيض المتوسط. استغل اردوغان هذه الحادثة وعزز من مكانته العربية وأصبح أحد أهم الشخصيات التي يتداولها الشارع العربي بعد وقوفه علنا وتسليحه للمجموعات الأصولية السورية لمقاتلة النظام.

ومن الجانب الآخر عزز من علاقاته مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، الخصم السياسي لحزب العمال PKK في محاولة لشق الشارع الكردي. وفي الداخل اعتمد على الجماعات الأصولية الكردية والميليشيات العسكرية المسماة بحماة القرى، التي تستخدمها الدولة التركية في محاربة حزب العمال منذ الثمانينيات من القرن الماضي في معركته ضد المقاتلين الكرد الذين ينشطون الآن على كامل جغرافية حدود شمال كردستان المحتل من قبل تركيا لأجل الحرية والمساواة .

لم يملك اردوغان مشروع سلام منذ البداية، وإنما كان يحاول كسب الوقت لتعزيز مكانته في السلطة مستغلاً العامل الديني في التغلغل بين فئات الشعوب التركية لما للدين من مكانة وتأثير على الناس. ويجدر الذكر هنا أنه على الرغم من وجود نظام فصل الدين عن الدولة منذ العشرينيات من القرن الماضي في تركيا، إلا أنه لم يؤثر في البنية الفكرية للشريحة الكبيرة من الشعب التركي الذي بقي أسير تراث وثقافة الخلافة التي مارستها منذ استيلاء السلاجقة أجداد الاتراك الذين جاؤوا من منغوليا. كما أن الوقف المتكرر من جانب حزب العمال الكردستاني لإطلاق النار ساعده في تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية على وجه الخصوص، وهذا ما زاد من تعلق الجماهير به مما أبقي على تواجده على رأس السلطة منذ 2002 وحتى الآن.

بخطواته التصعيدية المتتالية، سيدمر اردوغان كل ما تم بناؤه منذ إعلان أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، وقف إطلاق النار في بداية الألفين وتمديدها وصولا إلى البنود 12 التي طرحها لإدامة العملية، والسير نحو السلام. لكن الرئيس التركي استخدم كل ذلك في سبيل ترسيخ حكمه للوصول الى حلمه في حصر الصلاحيات التشريعية والتنفيذية كلها في يده. ولما وجد بأن حزب الشعوب هو العائق، بدأ بترنيمته الدموية الأخيرة ببدء حملة عسكرية كبيرة ضد المدن الكردية التي نبذته انتخابيا، بحجة القضاء على بؤر الإرهاب مستفيدا من الصمت الدولي وحاجة التحالف المناهض للإرهاب المشكل أساساً من أجل سوريا لمجاله الجوي ومشاركته في وقف تدفق الإرهابيين إلى الأراضي السورية، وبدأ معركة كبيرة راح ضحيتها المئات من المدنيين ودمر أجزاء كبيرة من المدن الكردية التي اعتبرها المعقل الأساسي للمقاومين الكرد