المقالات

المقالات

السلطة المؤجلة والمحاسبة الحتمية

Hussein Omar
  • 2 مشاهدة view


في لحظات التحولات الكبرى، تصبح القرارات الفردية جزءاً من مصير جماعي، ويغدو القبول بالمناصب أو رفضها موقفاً سياسياً وأخلاقياً يتجاوز حدود المصلحة الشخصية. لذلك، فإن الدعوة إلى عدم الانخراط في منظومة “حكومة الفقه” ليست خطاباً عاطفياً أو مزايدة سياسية، بل تحذيراً يستند إلى قراءة عميقة لمسار السلطة عندما تُبنى على أيديولوجيا دينية مغلقة تُقدَّم باعتبارها مرجعية وحيدة للحكم.

إن المشاركة في السلطة تحت هذا الغطاء لا يمكن تبريرها بوصفها خطوة مهنية أو محاولة براغماتية لتخفيف الضرر. هذه الحجة تبدو للوهلة الأولى عقلانية، لكنها في الحقيقة تختزل السياسة في حسابات قصيرة المدى، وتتجاهل أن الشرعية لا تُكتسب من داخل منظومة استبدادية بل تُستخدم لتثبيتها. التاريخ السياسي مليء بأمثلة أشخاص ظنوا أنهم قادرون على “الإصلاح من الداخل”، لكنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف مجرد أدوات تُستهلك ثم تُستبدل عندما تتغير التوازنات أو تتصاعد الأزمات. وفي لحظة الانهيار، يصبح هؤلاء أول من يُقدَّم للرأي العام بوصفهم المسؤولين عن الفشل، وكأنهم كانوا أصحاب القرار الحقيقي.

أي منصب يُعرض في ظل الظروف الحالية لا يمثل فرصة خدمة عامة، بل يشبه حكم إدانة مؤجلاً. فالمنظومة التي لا تملك عقداً اجتماعياً واضحاً ولا دستوراً يضمن الفصل الحقيقي بين السلطات، لا تمنح المسؤول صلاحيات بقدر ما تمنحه واجهة. وحين تغيب المؤسسات، يتحول المسؤول إلى واجهة تنفيذية لقرارات تُتخذ في غرف مغلقة، ما يعني أن قبوله المنصب ليس سوى قبول مسبق بتحمل تبعات قرارات لم يشارك في صياغتها.

إن خوض تجربة تنفيذية قبل تحقيق شروط إصلاح دستوري جذري هو أقرب إلى الانتحار السياسي. لا يمكن الحديث عن إدارة دولة أو مؤسسات دون دستور يضمن التوازن بين السلطات ويمنع احتكار القرار. الدستور ليس نصاً شكلياً، بل هو الإطار الذي يحدد حدود القوة ويمنع تحول السلطة إلى أداة قمع. ومن دون إعادة صياغته بما يكفل حقوق وحريات جميع السوريين – بمختلف طوائفهم وأديانهم ومكوناتهم القومية – فإن أي مشاركة في الحكم تصبح مشاركة في شرعنة الإقصاء.

الأمر لا يتعلق برفض فكرة الأمن أو الاستقرار، بل برفض نموذج “استقرار المقابر” الذي يُفرض عبر التجويع والترهيب. الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالخوف، بل بالعدالة والحقوق والمشاركة السياسية. أما الاستقرار القائم على الخضوع القسري، فهو هش بطبيعته، لأنه يتجاهل أن الشعوب لا يمكن أن تُحكم إلى الأبد بالقوة وحدها.

قبول المناصب في ظل هذا التغول يعني، بصورة ضمنية، القبول بسياسات التجويع الممنهج التي تُستخدم كوسيلة للضغط السياسي، كما يعني القبول بالترهيب الفكري والاجتماعي الذي يسعى إلى فرض أنماط سلوكية محافظة بالقوة تحت غطاء ديني. المشكلة هنا ليست في الدين نفسه، بل في توظيفه كأداة للسيطرة السياسية. فعندما تتحول المرجعية الدينية إلى مرجعية حكم مطلقة، يصبح الخلاف السياسي مخالفة عقائدية، ويغدو النقد جريمة أخلاقية، وهو ما يفتح الباب أمام استبداد أكثر قسوة لأنه يتدثر بقداسة دينية.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن الهوية الوطنية أمراً ملحاً. فالمشاركة في حكومة قائمة على أيديولوجيا دينية أحادية قبل تعديل العقد الاجتماعي تعني عملياً التخلي عن فكرة الدولة الجامعة لصالح مشروع سلطوي مغلق. الهوية الوطنية لا يمكن أن تتعايش مع الإقصاء أو التمييز، ولا يمكن أن تُختزل في هوية دينية واحدة مهما كانت غالبية المجتمع.

إن المقارنة بين تجربة هيئة تحرير الشام وتجربة تنظيم الدولة الإسلامية قد تبدو للبعض قاسية، لكنها تنطلق من ملاحظة جوهرية تتعلق بطبيعة المشروع السياسي القائم على احتكار التفسير الديني. الفارق قد يكون في الأسلوب والسرعة، لكن المسار العام يبقى متشابهاً: استخدام الدين لتبرير السلطة، وتقديم تطبيق “الفقه” بوصفه غاية سياسية. الفارق، كما يرى كثيرون، أن قيادة أبو محمد الجولاني تسير في هذا المسار تدريجياً، بينما سلكته داعش بصورة صادمة وفورية. إلا أن التدرج لا يغيّر جوهر المسار بقدر ما يغيّر إيقاعه.

الحرية ليست مفهوماً قابلاً للتجزئة، ولا يمكن قبول جزء منها مقابل التخلي عن جزء آخر. والكرامة السياسية تبدأ من رفض المشاركة في منظومة تُبنى على الاستبداد، مهما كان هذا الاستبداد متخفياً خلف خطاب ديني أو شعارات الاستقرار. إن الحفاظ على الهوية السياسية والأخلاقية يتطلب شجاعة الرفض، لأن المشاركة في تثبيت سلطة قمعية لن تُكتب في التاريخ بوصفها “واقعية سياسية”، بل بوصفها لحظة تخلٍّ عن المبادئ في زمن كان فيه التمسك بها ضرورة.

إن مسؤولية النخب السياسية اليوم ليست البحث عن موقع داخل السلطة، بل العمل على تغيير شروطها. فقبل الحديث عن مناصب أو حكومات، يجب الحديث عن دستور، ومؤسسات، وضمانات حقيقية للحقوق والحريات. من دون ذلك، ستظل أي مشاركة في الحكم مجرد خطوة نحو فقدان الشرعية الأخلاقية والسياسية، ونحو تحميل الأفراد مسؤولية منظومة لا يمكن إصلاحها من الداخل.

في النهاية، يبقى السؤال بسيطاً في ظاهره لكنه عميق في مضمونه: هل المشاركة في منظومة غير ديمقراطية تخفف من استبدادها أم تمنحها شرعية إضافية؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد موقع كل شخص في ذاكرة الشعوب. والذاكرة، كما نعرف، لا تنسى.