المقالات

المقالات

بين الصورة والوقائع: قراءة نقدية في سردية “مهندس الأزمات” تشريح مقالة المدح الذي نشر للاستاذ دلشاد حسين في موقع الحرة

Hussein Omar
  • 13 مشاهدة view

منذ تعيين هاكان فيدان وزيراً للخارجية في يونيو/حزيران 2023، تتكرّس في الإعلام التركي وبعض المنابر الإقليمية صورة الرجل بوصفه “مهندس الأزمات” و”العقل الاستراتيجي” القادر على إعادة تموضع تركيا بين الشرق والغرب. هذه السردية تستند إلى مسار مهني استثنائي لرجل قاد جهاز الاستخبارات لأكثر من عقد، ثم انتقل مباشرة إلى رأس الدبلوماسية التركية. غير أن القراءة النقدية تقتضي التمييز الصارم بين الوقائع القابلة للقياس، وبين الأحكام التقديرية التي تنتمي إلى الحقل السياسي أو الإعلامي أكثر من انتمائها إلى التحليل الموضوعي.من حيث الوقائع، لا خلاف على أن فيدان لعب دوراً مركزياً في إدارة أكثر الملفات الأمنية حساسية خلال رئاسته لجهاز الاستخبارات بين عامي 2010 و2023. شهدت تلك المرحلة تصعيداً واسعاً في العمليات العابرة للحدود ضد حزب العمال الكردستاني في العراق وسوريا، وتوسّعاً في توظيف أدوات العمل الاستخباراتي خارج الإطار التقليدي، سواء عبر الضربات الدقيقة أو شبكات النفوذ المحلية. هذه معطيات موثّقة في تقارير رسمية وتصريحات علنية.لكن تحويل هذا المسار إلى خلاصة حاسمة مفادها أنه “أضعف الحزب استراتيجياً” يتطلب مؤشرات كمية وبنيوية لا تتوافر للرأي العام: ما حجم التراجع في البنية القيادية؟ ما مدى انحسار القدرة على التجنيد؟ هل تقلّصت الموارد اللوجستية بصورة مستدامة؟ الواقع أن الحزب ما زال فاعلاً ميدانياً، ولم يُحلّ تنظيمياً، كما أن مسار التفاوض الذي انهار عام 2015 لم يُستأنف بصيغة رسمية حتى الآن. وعليه، فإن الحديث عن “حسم” أو “إنهاء” يتجاوز حدود ما تسمح به الوقائع المتاحة.الأمر ذاته ينسحب على توصيف ملف قوات سوريا الديمقراطية. حتى اللحظة، لا يوجد اتفاق سياسي نهائي بين دمشق و”قسد”، بل مسارات تفاوض متقطعة، وتفاهمات أمنية ظرفية برعاية أطراف متعددة، بينها موسكو وواشنطن. تصوير المشهد باعتباره “تسوية ناجزة” يندرج في خانة التقدير المتفائل، لا في خانة التوصيف الدقيق. فالمعادلة شمال شرق سوريا ما تزال محكومة بتوازنات عسكرية دولية، وبحسابات تركية–أميركية معقّدة، ولم تتحول إلى صيغة استقرار سياسي مستدام.في ملف التطبيع الإقليمي، شهدت العلاقات التركية تحسناً ملموساً مع كل من مصر والسعودية والإمارات. أعيد تبادل السفراء، واستؤنفت الزيارات رفيعة المستوى، وتوسعت قنوات التعاون الاقتصادي. غير أن إرجاع هذا التحول إلى “دبلوماسية الاستخبارات” حصراً يتجاهل السياق البنيوي الأوسع: تحولات في أولويات العواصم الخليجية، تراجع حدّة الاستقطاب الإقليمي، الضغوط الاقتصادية الداخلية في تركيا، والحاجة المتبادلة إلى خفض كلفة الصراعات المفتوحة. القرار كان سياسياً على مستوى القيادة، حتى وإن تولّى فيدان إدارة أدوات التنفيذ.أما الحديث عن “انحسار الدور الإيراني في سوريا ولبنان”، فهو توصيف قابل للنقاش. صحيح أن النفوذ الإيراني تعرض لضغوط عسكرية واقتصادية متزايدة، لكن حضوره ما يزال فاعلاً عبر شبكات عسكرية وأمنية في العراق، وعبر حزب الله في لبنان وحماس والجهغد الاسلامي في غزة. استخدام مصطلح “انحسار” كما سرده الاستاذ دلشاد حسين، بصيغة مطلقة يوحي بتحول بنيوي نهائي، بينما المشهد أقرب إلى إعادة تموضع تحت الضغط، لا إلى تراجع استراتيجي حاسم.الإشكالية المركزية في السردية الاحتفائية لا تكمن في إبراز إنجازات محتملة، بل في تحويل التقديرات إلى حقائق منجزة، وفي القفز فوق ملفات ما تزال مفتوحة: التوتر المزمن مع واشنطن، تعقيدات شرق المتوسط، العلاقة المتذبذبة مع الاتحاد الأوروبي، وحساسية التوازن بين موسكو والغرب في ظل اعتماد اقتصادي متزايد على معادلات دقيقة. هذه ملفات لم تُحسم، بل تُدار ضمن منطق “احتواء المخاطر” أكثر من منطق “إغلاق النزاعات”.بعبارة أكثر تحديداً: يمكن القول إن فيدان نقل خبرته الأمنية إلى وزارة الخارجية، وأدخل مقاربة تميل إلى البراغماتية الصلبة، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الحسابات الأمنية في مساحة واحدة. غير أن الادعاء بأنه أعاد رسم ميزان القوى الإقليمي أو حسم صراعات ممتدة يتجاوز ما تسمح به المعطيات الراهنة. الفارق هنا ليس في الموقف السياسي من الرجل، بل في معيار القياس نفسه: هل نقوّم الأداء وفق النتائج النهائية المستقرة، أم وفق الحركية التكتيكية وإدارة الأزمات؟حتى الآن، ما يمكن رصده هو قدرة على إدارة مرنة للملفات، وتخفيف حدّة بعض التوترات، وإعادة تموضع تكتيكي في بيئة إقليمية متغيرة. أما التحولات البنيوية العميقة — إن حدثت — فهي تحتاج زمناً أطول ومؤشرات أدق للحكم عليها. وبين الصورة التي تصنعها السردية، وميزان الوقائع الذي يفرضه التحليل، تبقى المسافة قائمة. وهذه المسافة هي ما ينبغي أن يشغله النقاش الجاد، بعيداً عن المبالغة أو الإنكار.