المقالات

المقالات

تعثر اتفاق 29 يناير بين إقصاء دمشق وعداء تركيا لحقوق الكرد

Hussein Omar
  • 10 مشاهدة view

لا يمكن فهم تعثر تنفيذ اتفاق 29 يناير دون تسمية الأطراف المسؤولة بشكل مباشر، بعيداً عن اللغة الدبلوماسية المواربة. فالمشكلة لم تعد تقنية أو إجرائية، بل سياسية بامتياز، ترتبط بإرادة واضحة لدى الحكومة السورية في دمشق، وكذلك لدى قوى إقليمية، وعلى رأسها تركيا، لإبقاء هذا الاتفاق معلقاً ومنع تحوله إلى واقع فعلي.حتى الآن، لم تلتزم حكومة دمشق بتنفيذ العديد من البنود الأساسية، خاصة تلك المتعلقة بالشراكة السياسية والاعتراف بالتعددية القومية. فالنظام السوري لا يزال يتعامل مع الكرد كملف أمني، لا كمكون أصيل في البلاد، ويرفض منحهم حضوراً فعّالاً داخل مؤسسات الدولة. هذا الإقصاء ليس صدفة، بل هو استمرار لعقود من السياسات المركزية التي ترى في أي اعتراف بالحقوق القومية تهديداً لسلطتها.في المقابل، لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه قوات سوريا الديمقراطية كقوة أمر واقع في شمال وشرق سوريا، والتي تحاول فرض نموذج إداري وسياسي مختلف، يقوم على اللامركزية والشراكة. لكن هذا النموذج يواجه رفضاً مزدوجاً: من دمشق التي تخشى فقدان السيطرة، ومن أنقرة التي ترى فيه تهديداً مباشراً لمشروعها الإقليمي.وهنا يظهر العامل الأخطر: الدور التركي. فسياسات رجب طيب أردوغان تجاه الكرد، سواء داخل تركيا أو خارجها، تقوم على مبدأ واحد: منع أي شكل من أشكال الكيان السياسي الكردي، حتى لو كان ضمن إطار الدولة السورية. لذلك، لم تكتفِ تركيا بالتدخل العسكري المباشر في مناطق مثل عفرين ورأس العين، بل عملت أيضاً على دعم فصائل سورية مسلحة تستخدم كأدوات لعرقلة أي تقارب كردي–سوري.هذا التدخل لا يمكن وصفه إلا بأنه عدائي بشكل صريح تجاه حقوق الشعب الكردي. فتركيا لا تعارض فقط مشروع الإدارة الذاتية، بل تعارض حتى فكرة الاعتراف بالهوية الكردية سياسياً وثقافياً. وهي تمارس ضغوطاً مستمرة، عسكرية وسياسية، لمنع الكرد من تثبيت أي مكسب. من القصف المستمر، إلى التهديدات اليومية، إلى محاولات تغيير ديمغرافي في المناطق التي سيطرت عليها الفصائل المدعومة منها، كلها تشير إلى استراتيجية واضحة: إضعاف الكرد ومنعهم من التحول إلى قوة سياسية مستقرة.الأخطر من ذلك، أن جزءاً من الداخل التركي، سواء من المؤسسة الأمنية أو التيارات القومية المتشددة، لا يريد أي حل سياسي في سوريا إذا كان هذا الحل يتضمن اعترافاً بالكرد. لذلك يتم إفشال أي مسار حوار، سواء بشكل مباشر أو عبر أدوات محلية. وهذا ما يفسر لماذا كلما اقتربت الأطراف السورية من تفاهم ما، تتصاعد التوترات فجأة.أما داخلياً، فإن خطاب الكراهية الذي تروّج له الاعلام والإعلاميين الموالي للنظام أو المرتبطة بالفصائل المسلحة، يساهم بشكل كبير في تعقيد المشهد. تصوير الكرد والعلويين والدروز كخطر دائم لا يخدم إلا استمرار الصراع، ويمنع بناء أي ثقة بين المكونات. والحقيقة أن الحرب التي جرت في سوريا لم تكن خياراً للكرد ولا للعرب، بل فُرضت على الجميع، لكن استمرارها اليوم أصبح خياراً سياسياً وعسكريا اذا دعت الحاجة لدى حكومة دمشق لفرضها على الجميع. في الجانب العسكري، فإن إعادة تشكيل الألوية لا تعكس تقدماً بقدر ما تعكس استمرار الانقسام. فلا توجد حتى الآن نية حقيقية لبناء جيش وطني جامع، بل هناك محاولات لإعادة إنتاج موازين القوى القديمة بأدوات جديدة. وهذا يهدد بإعادة تدوير الصراع بدل إنهائه.على المستوى الاجتماعي، فإن ضعف مشاركة المرأة في مؤسسات الحكومة السورية يكشف طبيعة النظام السياسي القائم، الذي لا يزال بعيداً عن مفاهيم الشراكة الحديثة. في المقابل، فإن أي مشروع سياسي جاد يجب أن يجعل من مشاركة المرأة نموذجاً يُحتذى، لا مجرد تمثيل شكلي.إن أحد الشروط الأساسية لأي حل هو الاعتراف بحق الشعب الكردي في العيش على أرضه بهويته التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية، دون تهديد أو إنكار. كما أن ملف التعليم على كامل الأراضي السورية يجب أن يُعاد تنظيمه ضمن إطار يعكس التنوع الثقافي، دون فرض هوية واحدة على الجميع.لقد كان اتفاق 29 يناير حاضراً في النقاشات الدولية، خاصة في اجتماعات ميونيخ، ما يدل على أهميته، لكن قيمته الحقيقية تبقى مرهونة بالتنفيذ. كما أن دعم أي مشروع قانون لحماية حقوق الكرد لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية.في النهاية، لا يمكن لأي طرف أن يدّعي أنه الضامن، لأن التجربة أثبتت أن الضمانات الخارجية غالباً ما تكون جزءاً من المشكلة. الضمان الحقيقي هو التوافق الداخلي، القائم على الاعتراف المتبادل والشراكة الفعلية. دون ذلك، يبقى خطر اندلاع حرب جديدة قائماً، خاصة في ظل الإصرار التركي على دفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد.المرحلة الحالية تتطلب وضوحاً لا مجاملة: هناك أطراف تعرقل الحل عمداً، وعلى رأسها الحكومة السورية وتركيا، وهناك حاجة ملحة لبناء تحالف وطني ديمقراطي حقيقي يواجه هذه السياسات. فقط من خلال وحدة الصف ووضوح الموقف يمكن كسر حالة الجمود، والانتقال من اتفاقات على الورق إلى واقع سياسي جديد.