رفض استقبال أردوغان في أبوظبي: حسابات التوازنات الخليجية وصراع التموضع الإقليمي
- مقالات سياسية
- 18 فبراير 2026
-
4 مشاهدة
أثار الخبر المتداول حول رفض أو تأجيل استقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في دولة الإمارات العربية المتحدة في الوقت الراهن، جملة من التساؤلات حول طبيعة العلاقات التركية-الإماراتية والملفات الشائكة التي تحكمها، ورغم أن الدبلوماسية نادراً ما تعلن أسباب الرفض صراحة، إلا أن تتبع المؤشرات والأحداث الأخيرة يكشف عن طبقات متعددة من الخلافات الاستراتيجية والسياسية التي تقف وراء هذا القرار. ففي البداية، حاولت الأوساط التركية الترويج لرواية مفادها أن السبب وراء عدم الزيارة يعود لظروف صحية طارئة لرئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، غير أن هذه الرواية سرعان ما ثبت عدم صحتها واقعياً، مما اضطر الجانب التركي للتراجع عن هذا الادعاء وحذفه من سياقه الإعلامي، وهذا التراجع خلق علامات استفهام كبيرة لدى المراقبين وأرسى قناعة بأن هناك أسباباً سياسية جوهرية تتجاوز المجاملات البروتوكولية أو الأعذار الصحية.
ويبدو أن أحد الأسباب الجذرية للرفض يكمن في الموقف الإماراتي الرافض لتورط أردوغان في الأزمة الصامتة المحتدمة بين الرياض وأبو ظبي، فبينما تسعى السعودية إلى تعزيز نفوذها الإقليمي وتعميم نموذج تحالفها المشابه لما حدث في أزمة قطر سابقاً مع مصر والإمارات والبحرين، تبدو الإمارات حريصة على الحفاظ على استقلالية قرارها وسيادتها السياسية، وتحاول تركيا من خلال تحالفها الظاهري مع السعودية الاستفادة من أي شرخ محتمل بين العملاقين الخليجيين لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، لكن الإمارات إدراكاً منها لهذا التلاعب غير مستعدة في الظروف الحالية لدعم طرف قد يستغل هذا التحالف لخدمة أجندة معادية لمصالحها، خاصة في ظل محاولات أنقرة اللعب على التناقضات في الخفاء وهو ما رفضته أبوظبي بحزم.
ولا يمكن إغفال العامل الأيديولوجي كحجر عثرة رئيسي، فتركيا تحت قيادة أردوغان لا تزال تمثل الحاضنة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الإمارات ومصر والسعودية كتنظيم إرهابي وتهديد للأمن القومي، وتنتهج الإمارات سياسة خارجية واقعية براغماتية تتقاطع مع مراكز القرار العالمي ومصالح الاستقرار الإقليمي، في حين أن التقارب التركي مع الإخوان يضعها في خانة الخصم الأيديولوجي، ولا ترغب الإمارات في الوقوع في المحظور الذي وقعت فيه بعض الدول سابقاً بدعم فصائل إسلامية في ملفات ساخنة مثل اليمن والسودان مما قد يهدد استقرار المنطقة بدلاً من تعزيزه.
وأدى التحول الاستراتيجي السعودي الأخير إلى ظهور ثغرات في الدور الإقليمي للمملكة خاصة فيما يتعلق بملف التطبيع مع إسرائيل والعلاقات مع واشنطن، في المقابل نجحت الإمارات في ترسيخ نموذجها الدبلوماسي القائم على التطبيع المبكر والتوافق مع الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية-العربية الجديدة، ومع بوادر التلويح باتفاقات إقليمية جديدة يبرز النفوذ الإماراتي كأكثر انسجاماً مع مستقبل المنطقة المنتظر، مما ولد تناقضاً مع الطموحات السعودية لإعادة إنتاج دور وسيط إقليمي، وفي هذا السياق يُنظر إلى الزيارة التركية المحتملة على أنها محاولة لكسر العزلة الدبلوماسية التي فرضتها الإمارات على أنقرة بسبب سياساتها غير المستقرة.
إن رفض استقبال أردوغان في هذا التوقيت ليس مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل هو رسالة سياسية واضحة من أبوظبي إلى أنقرة مفادها أن العلاقات لا يمكن أن تعود لطبيعتها إلا بتغيير جوهري في السياسات التركية تجاه المنطقة وملف الإخوان المسلمين واحترام السيادة الإماراتية في ظل التنافس الخليجي، فالإمارات تفضل الانتظار حتى تتضح الرؤية الإقليمية الجديدة بدلاً من الانخراط في تحالفات هشة قد تكلفها ثمنًا استراتيجيًا باهظًا، وهذا الموقف يعكس نضجاً دبلوماسياً وقدرة على قراءة المشهد الإقليمي بما يخدم المصالح الوطنية طويلة الأمد
