المقالات

المقالات

رقصة الموت فوق “بستا”

Hussein Omar
  • 1 مشاهدة view

لم يكن التبغ يهدئ من روع شاهين، بل كان مجرد وسيلة ليقنع أصابعه المرتجفة بأنها تقوم بعمل ما. لفّ السيجارة الأولى، ثم الثانية، وعيناه مسمرتان على جهاز اللاسلكي المستند إلى صخرة توشك أن تنزلق من مكانها. الجهاز لم يكن يصمت؛ كان يئن بأصوات العدو، شفرات مقتضبة، نبرات متوترة، وحركة غير عادية تشي بأن شيئاً ما يطبخ في غرف العمليات القريبة.

زوزان، من موقع مراقبتها، كانت تحاول طمأنته بصوتها الهادئ عبر الأثير: الوضع طبيعي حتى الآن.. لا تحركات مشبوهة سوى تبديل الحرس المعتاد.

لكن حدس المقاتل في داخل شاهين كان يهمس له بعكس ذلك:

– ناف خوش.. ناف خوش.. ياهو برسف بده (أجب)!

صرخ شاهين في الجهاز، محاولاً اختراق الصمت الجنائزي لرفاقه الأربعة الذين ضاعوا في غبار الكمين الأخير. فكرة الشهادة كانت تحوم في رأسه كغراب أسود، لكنه طردها بسرعة: لا، لعلها التضاريس اللعينة.. لعلهم في فجوة صخرية تحجب الإشارة.

اقترب منه سيدو، محاولاً كسر حدة الصمت بصوت هادئ: هل أضع إبريق الشاي على النار؟ لا يمكننا التحرك قبل المساء على أي حال.. لنفطر وننتظر.

كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحاً. الدقائق في الجبال لا تمر، بل تزحف على بطنها. كان شاهين يراقب عقارب الساعة كأنها حبل نجاة؛ فبعد الثانية ظهراً، ينسحب العدو عادة إلى مراكزه، وتصبح الأرض ملكاً لأصحابها. هناك، عند الغروب، تتحول قوات العدو من صياد إلى طريدة سهلة في مرمى نيرانهم.

فجأة، اخترق صوت آمد السكون: زاغروس.. زاغروس.

– زاغروس يسمعك، تكلم.

– هفال، الجو بدأ يتلبد بالغيوم.. ثمة رائحة مطر في الأفق.

– تمام.. خذوا حذركم.

لم يكد شاهين ينهي جملته بصرخة لرفاقه: تفرقوا! اختبئوا خلف الصخور! لا تتركوا شيئاً مكشوفاً! حتى انشق سقف السماء.

مرت الـ أف 16 كالبرق، خارقة جدار الصوت بهدير مرعب ظنه البعض انفجار برميل متفجر في أحشائهم. لم تكن وحيدة؛ تلتها الثانية، ثم الثالثة، بينما كانت طائرة مروحية كشفية تحوم بمحاذاة جبل هركول مثل ذبابة مزعجة تبحث عن جرح.

عقل شاهين كان يعمل كالحاسوب: طابور الشهيد هوكر هناك.. لكن لماذا تتجه المقاتلات نحو كيلا ميمي (Kêla memê)؟ ولماذا تظهر كشفية أخرى فوق بستا؟.

أدرك الحقيقة المرة: أرصاد العدو التقطت “خيطاً” ما، وهي الآن تحرث السماء بحثاً عن الهدف، والمقاتلات تحوم في الجوار لتنقضّ في اللحظة التي ترسل فيها المروحيات الكشفية إحداثيات الموت.

الساعة الثانية عشرة وبضع دقائق. عادت الوحوش المعدنية. بدأت الطائرات الثلاث برسم طوق خانق فوق المنطقة. كان المشهد مهيباً ومرعباً في آن واحد؛ سيمفونية من المعدن والموت تحوم فوق رؤوسهم. ما كان يطمئن شاهين وسط هذا الجحيم هو المسافة؛ لا قوات برية قريبة، والخسائر لن تقع إلا إذا كانت الضربة “جراحية” في قلب نقطتهم تماماً.

مرت ساعة ونصف كأنها دهر. الطائرات لم تغادر. -هذا غير طبيعي- همس شاهين لنفسه، لم يسبق له أن رأى هذه الغربان الحديدية تعسكر في الأجواء لأكثر من ثلاثين دقيقة.

ناداه جمشيد بصوت مبحوح: هفال.. هناك واحدة تتجه نحونا مباشرة.

رفع شاهين رأسه؛ كانت “المجرمة” تنخفض بسرعة مخيفة، تخفف سرعتها لتتحضر للافتراس: انتبهوا، ستوجّه ضربتها الآن.

تسمرت العيون في السماء. سكنت الأنفاس. كل مقاتل التصق بصخرته، ينتظر الصاروخ الذي سيحمل اسمه. وصلت الطائرة فوق رؤوسهم تماماً، لكنها لم تفرغ حمولتها هناك. أطلقت صاروخها باتجاه نقاط تمركز قوات منطقة “بستا”. تلتها الثانية، ثم الثالثة، في رقصة دائرية من القصف المركز.

تنفست المجموعة الصعداء. لم يكونوا هم الهدف هذه المرة. “بستا” حصينة، كهوفها تمتد في أعماق الأرض تحت مئات الأمتار من الصخر الصلب؛ الصواريخ هناك ليست أكثر من طرقات ثقيلة على باب لا يفتح.

مع حلول الثالثة عصراً، تلاشى أزيز الطائرات. ساد صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت الريح. طلب شاهين من المجموعة التجهز فوراً للتحرك نحو كارسا.

ضحك سيدو، وهو ينفض الغبار عن ثيابه: هفال، لقد التهمنا أرغفة الخبز كلها على إيقاع القصف.. دعنا على الأقل نشرب الشاي بهدوء قبل المسير.

رد شاهين بابتسامة حازمة وهو يحمل جهازه اللاسلكي: سنشرب الشاي في كارسا يا سيدو. المسافة قصيرة، وقبل أن ينضج شايُك هنا، سنكون قد وصلنا هناك. يلا هفالنو.. لنتحرك

15/11/2017

حسين عمر