المقالات

المقالات

روناك.. بذرة التمرد

Hussein Omar
  • 12 مشاهدة view

لم تكُنْ “روناك” سوى ابنةٌ لتلك البيئة الخانقة، وُلِدت من رحم القهر المتراكم: قوميًّا، واجتماعيًّا، وسياسيًّا، وثقافيًّا. في يومها الأول بالمدرسة، وقفت في باحةٍ ترابية تحت شمسٍ لاهبة، بينما رتَّبهم المُعلِّم في صفوفٍ متواضعة بحسب المراحل الدراسية. كانت تتطلَّعُ حولها بحذرٍ طفوليٍّ، تحاول تقليد حركات زملائها الذين سبقوها إلى هذا العالم الجديد. وفجأةً، انقطع تدفُّق فضولها بصوتٍ كالصاعقة:

أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة!”

ارتجَّتْ في مكانها كطيرٍ جريح، ووقفت على أطراف أصابعها، عيناها مثبتتان على فم المُعلِّم وهو يهتف بالشعار. لم تفهم حرفًا مما قال، لكن خشونة صوته اخترق صدرها كسهم. التفتت إلى التلميذ الجانبها، عيناكسرى مُحمرَّتان من الدهشة، فشدَّ على طرف ثوبها ونظر إلى الأمام بسرعة، خائفًا أن يراه الأستاذ. لقد أراد أن يُنذرها: “حرّكي شفتيك كأنك ترددين.. وإلا ستنالين العقاب!”.

لم تكن روناك تعرف العربية قط.. كانت كلماته الأولى عليها كطلاسمَ من عالمٍ آخر. بعد انتهاء الطقوس، همس لها الصبي: “حظّكِ أنَّه لم يرَكِ.. لو رأى وجهُكِ الصامت لضربكِ بالعصا غدًا، افتعلي الحركة!” دخلت الفصل مع سبعةٍ وعشرين تلميذًا من صفوفٍ ستةٍ مختلطة، يُدرِّسهم مُعلِّمٌ واحد في غرفةٍ واحدة. كل ربع ساعة، يتحوَّلُ انتباهه إلى صفٍّ جديد. وقفت روناك خلف تلاميذ الصف الأول الذين احتلوا المقاعد الثلاثة الأقرب للسبورة. كانت تراقب بذهولٍ يدَ المُعلِّم وهي تخطُّ على اللوح الأسود رموزًا غامضة بالطبشورة البيضاء. ظنَّتْ في البداية أنه يرسم ألعابًا لهم.. حتى رفع عصاه القصيرة من فوق الطاولة، وهزَّها في الهواء كإنذارٍ صامت.

أصابها الذهول. فمها انفتح قليلًا دون أن يصدر صوت. هكذا بدأت حياتها الجديدة: سجنٌ من الكلمات الغريبة، وسلاحٌ من خشبٍ يهدد أناملها الصغيرة، وجريمة اسمها لغتها الكردية التي حملتها من رحم أمها. هنا.. في هذا الفصل المُظلم، وُلِدت بذرةُ التمرد.

في الأشهر الثلاثة الأولى، لم تَنْطِقْ روناك كلمةً عربية واحدة. كانت تحدِّق في عيني المُعلِّم كلما سألها: “أفهمتِ؟”، أو “لماذا لا تتكلمين؟”. نظراتها كانت كالسكاكين: تحدِّيًا صامتًا، واستنكارًا غريزيًّا لاغتصاب هويتها. كَبُرَت روناك، وكَبُر معها ذلك الرفض حتى صار جمرةً في صدرها. أدركت أنهم لا يريدون تعليمها.. بل يريدون محو ذاكرتها. أن تُصبحَ عربيةً! أن تتنكَّر لجبال كردستان التي روتها حكايات جدتها، ولأغاني المهد التي هزَّتْ مهدها.

حتى كتب التاريخ صارتْ جرحًا نازفًا. كيف تقرأ أن “الوطن العربي” يمتد من المحيط إلى الخليج، ويبتلعُ جبال طوروس وهضبة أرمينيا؟! كانت تشفِقُ على أمةٍ تسطو على تاريخ غيرها، وتُزيِّف الجغرافيا. تضحكُ بمرارةٍ لرفيقتها في المقعد: “هل سيدَّعون يومًا أن جبال زاغروس عربية؟! سيأتي زمنٌ يفتخرون فيه بداعش وهي تحاصر مدننا.. يسمونها *الفتوحات*، ونحن *المارقين*!”. كانت كلماتها تُثقِلُ الهواء كالرصاص: “تاريخهم كله دمٌ يُنقَّى بالدم.. حتى شعار *خير أمة أخرجت للناس* يُخفي صرخاتنا”.

في صباحٍ بارد، كانت روناك تراقب خطوط النار من نافذة المخبأ. المعاركُ هدأتْ بعد ليلةٍ من القصف الشرس. المدينة الصامدة منذ شهرٍ كامل، تكتبُ بدماء أبنائها ملحمةً ستُروى. رفعتْ منظارها باتجاه “مشتى النور” – التلَّة المطلة على المدينة. عيناها لا تفارقان السفح، أصابعها على الزناد البارد. هي تعرف: الهدوءَ الذي يسبق العاصفة أخطرُ من الرصاص نفسه. كل حجرٍ في هذه الأرض يحمل اسمًا كرديًّا، وكل رصاصةٍ ستُردِّدُه.

هنا.. حيث تلتقي نظرة الطفلة المرتعشة في فصلٍ مظلم، بنظرة المرأة الحديدية على خط النار، تكتمل الدائرة. انتقامُها لم يكُنْ بالكراهية.. بل بالبقاء.