المقالات

المقالات

روژآڤا في مواجهة التطرف: قراءة في تلاحم الهوية وتحديات الإدارة

Hussein Omar
  • 10 مشاهدة view

تضعنا التطورات الميدانية الأخيرة في المنطقة أمام مشهد سوسيوسياسي بالغ التعقيد، حيث تبرز الحالة النضالية الكردستانية اليوم في إحدى ذُراها التاريخية، متجاوزةً التشتت التقليدي نحو تلاحم عضوي غير مسبوق. هذا الاصطفاف الذي يجمع الأطياف والأحزاب الكردية تحت رؤية موحدة تجاه التهديدات القادمة من دمشق بقيادة “الجولاني”، لا يمكن قراءته كفعل عاطفي لحظي، بل كاستجابة استراتيجية واعية أفرزتها عقود من التهديد الوجودي. ومع ذلك، فإن هذا المخاض يفتح الباب على مصراعيه لمناقشة معضلة أعمق: أزمة الحكم وبنية الأيديولوجيا في الشرق.

​إن القراءة الفاحصة لعقد من التجربة في المنطقة تثبت أن “الأيديولوجيا الجامدة” كانت، في كثير من الأحيان، عائقاً أمام التطور لا دافعاً له. إن محاولة فرض نظريات إدارية أو سياسية “معلبة” على بيئات اجتماعية لم تكتمل فيها شروط النضج الثقافي، لم تؤدِ إلا إلى نتائج عكسية؛ حيث أحدثت شروخاً في البنية الثقافية وتشوهات في الوعي الجمعي. التاريخ يخبرنا بوضوح أن النماذج النظرية الصماء التي لا تتفاعل مع خصوصية التربة التي تُزرع فيها، تنتهي حتماً إلى الفشل، مخلفةً وراءها مجتمعات ممزقة وانقسامات تضرب عمق النسيج الأهلي.

​وتتجلى هذه المعضلة في أوضح صورها عند استقراء تجربة الحكم الديني. فالإسلام السياسي، برغم امتداده التاريخي والجغرافي، فشل في اجتراح هيكلية إدارية-ثقافية تضمن الاستقرار الدائم. ومنذ العصور الأولى وحتى اللحظة الراهنة، اتسمت محاولات صياغة “دولة دينية” بفيض من الصراعات الدامية التي دمرت حواضر حضارية كبرى دون تقديم نموذج دولتي حديث. إن التشظي الذي أصاب التجربة الإسلامية، والاقتتال البيني المستمر، يعود في جوهره إلى إصرار “المستثمرين في الدين” على استحضار نماذج تاريخية قامت على العنف المفرط، مقتفين أثر شخصيات مثل يزيد بن معاوية وأبو جعفر المنصور، مما جعل “الدين السياسي” أداة للسيطرة والدم لا للإدارة والبناء.

​هذا الفشل لم يقتصر على المنظومات الثيوقراطية؛ فالأيديولوجيات الدنيوية القسرية سقطت في الفخ ذاته. إن تجربة البلشفية في أوروبا الشرقية لم تنهار لضعف في نظريتها الاقتصادية فحسب، بل لأنها فُرضت فرضاً على بنى ثقافية واجتماعية لا تنسجم معها، فتحولت من مشروع تحرري إلى آلة قمعية متآكلة. وبالمثل، نجد أن تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا واجهت مأزقاً مشابهاً؛ إذ إن تطبيقها دون مراعاة عميقة للإرث الاجتماعي والثقافي للمكونات المحلية، جعلها عرضة للاهتزاز أمام الضربات الخارجية وأخطاء الممارسة الداخلية، ما حال دون تحولها إلى نموذج مستدام يحظى بقبول مجتمعي شامل.

​إن الاستنتاج التحليلي الذي يفرض نفسه هنا هو استحالة نجاح أي نظرية سياسية في واقع يفتقر إلى الحاضنة الثقافية المؤهلة. إن بناء “البيئة الحاضنة” ليس قراراً سياسياً يُتخذ في أروقة السلطة، بل هو مسار تاريخي تراكمي يمر عبر بوابات التعليم، وتغيير أنماط التفكير، وتفكيك الموروث المعيق للتطور.

وفي الختام، يظهر بوضوح أن أنظمة الحكم الدينية والنظريات الأيديولوجية الجاهزة —سواء كانت سماوية أو وضعية— تظل قاصرة عن إدارة المجتمعات الشرقية المليئة بالتناقضات والخصوصيات المتجذرة. إن فرض النماذج في غياب المعرفة والقبول الطوعي هو، باختصار، وصفة لإنتاج أزمات جديدة لا حلول مستدامة، مما يستوجب إعادة النظر في العلاقة بين الفكر والواقع قبل الشروع في أي مشروع تغييري.