المقالات

المقالات

مآسي الكرد في عقولهم

Hussein Omar
  • 2 مشاهدة view

الحديث في الممنوع ليس استفزازًا، بل تحفيزٌ على التفكير من أجل الوصول إلى رؤية أكثر اتساقًا ووضوحًا. وما سأطرحه هنا يدخل، في نظر كثيرين من أعضاء وقيادات الأحزاب الكردية بتقسيماتها المعروفة، ضمن دائرة “المقدّس” أو المحظور.

في القانون الدولي والأعراف الدستورية، لكل دولة علمها، ولكل إقليم فدرالي أو كيان ذي حكم ذاتي أو جمهورية ضمن اتحاد كونفدرالي رايته الخاصة. بل إن كثيرًا من الولايات والمحافظات تمتلك أعلامًا تميّزها. هذه الأعلام تختلف في الشكل والألوان والرموز، لأنها ببساطة أدوات تعريف سياسية وقانونية تعبّر عن كيان محدد وتاريخه وهويته المؤسسية. والعلم، في جوهره، قطعة قماش تحمل رموزًا تشير إلى الجهة التي ترفعه، لا أكثر ولا أقل. لذلك نرى دولًا وأقاليم تغيّر أعلامها مع التحولات الكبرى في مسارها السياسي أو التاريخي. أما إضفاء قداسة مطلقة على العلم، فغالبًا ما يكون نتاج خطاب قومي متشدد يخلط بين الرمز والجوهر.

فعندما يرى أي شخص مهتم بالعلاقات الدولية علم الولايات المتحدة أو السعودية أو العراق أو تركيا أو روسيا، أو علم إقليم كردستان، يدرك فورًا الكيان الذي يمثله دون حاجة لكتابة الاسم. وكذلك الأمر بالنسبة لأعلام أقاليم أوروبية كـبافاريا أو كاتالونيا. فالعلم مؤشر سياسي محدد، لا شعارًا عاطفيًا عائمًا.

من هنا يبرز السؤال الجوهري: حين ترفع أحزاب كردية لا تدعو إلى الاستقلال ولا إلى إقامة دولة كردستان المستقلة راية “آلا رنكين”، أليس في ذلك تناقضٌ مع خطابها السياسي؟ فالعلم المتداول عالميًا بوصفه علم إقليم كردستان هو علم كيان فدرالي قائم ضمن الدولة العراقية. فإذا كان الهدف السياسي هو الانضمام إلى ذلك الإقليم والعمل على ضمّ الجزء الذي تنشط فيه تلك الأحزاب إليه، فالأمر منسجم سياسيًا؛ إذ إن الشعوب التي تطالب بالتحرر أو الالتحاق بكيان قومي قائم ترفع عادةً علم ذلك الكيان، كما تفعل جماهير الجولان برفع العلم السوري تأكيدًا لهويتها الوطنية.

أما إذا كانت هذه الأحزاب تعمل ضمن حدود الدولة التي ينتمي إليها الجزء الذي تمثله، ولا تطالب لا بالاستقلال ولا بالانضمام إلى إقليم كردستان العراق، فإن رفع علم يُعرَّف دوليًا بوصفه علم ذلك الإقليم يخلق التباسًا سياسيًا وقانونيًا. فالنشاط الذي يُمارس تحت هذه الراية يُقرأ، خارجيًا على الأقل، بوصفه نشاطًا مرتبطًا بالإقليم الفدرالي العراقي، لا تعبيرًا عن إدارة ذاتية محلية أو مشروع إصلاحي داخل الدولة القائمة.

بناءً على ذلك، يفترض بالأحزاب الكردية في الأجزاء المختلفة أن تختار أعلامًا تعبّر بدقة عن مشاريعها السياسية الفعلية. “آلا رنكين” يمكن أن تكون راية من يطالبون صراحةً بتحرير كردستان وتوحيدها، أو بضمّ الجزء الذي ينشطون فيه إلى إقليم كردستان العراق. أما غير ذلك، فيُدخل الرمز في تناقض مع الهدف، ويشوّش على الوعي العام.

أدرك أن هذا الطرح سيثير اعتراضات، وربما يُعدّ مساسًا بـ”تابو” راسخ لدى بعض الشخصيات والأحزاب. لكن بدل الاكتفاء بردود الفعل العاطفية، يجدر بتلك الأطراف أن تناقش الفكرة بجدية: ما هو الهدف السياسي الحقيقي؟ وهل الرمز المرفوع يعكسه بدقة؟

إذا كان العمل السياسي ينحصر في تحسين شروط الوجود ضمن الدولة التي يتبع لها الجزء المعني، دون مشروع انفصال أو انضمام لكيان آخر، فمن المنطقي البحث عن علم يعبّر عن هذه الخصوصية الإدارية والسياسية. فرفع راية كردستان التاريخية يترتب عليه منطقيًا تبنّي مشروعها الكامل كما يفهمه الرأي العام.

اليوم تُرفع رايتان مختلفتان في ترتيب الألوان والرموز في الأجزاء الأربعة من كردستان، ومع ذلك فإن الجهات التي ترفعهما لا تتبنى الأهداف نفسها. لكل جزء ظروفه السياسية والقانونية المختلفة، ومن غير المنطقي – من منظور إداري – أن يكون لادارتين ذاتيتين في دولتين مختلفتين علمٌ واحد، أو لكيانين فدراليين محتملين في بلدين مختلفين الراية ذاتها، إذا كانت مشاريعهما السياسية متباينة.

لكل إدارة علمها، ولكل فدرالية علمها، حتى يكون الرمز محددًا في دلالته، واضحًا في رسالته. وهذا لا ينفي روابط الأخوّة والانتماء القومي المشترك، بل ينظّمها ضمن أطر سياسية واقعية، ويعبّر عن الذات التي تمثلها داخل الجزء الذي تنتمي إليه، دون خلطٍ بين الرمز والمشروع.

المسألة، في النهاية، ليست في الألوان، بل في صدق التطابق بين الرمز والهدف.