من البندقية إلى السياسة: مراجعة ضرورية في مسار النضال الكردستاني
- مقالات سياسية
- 21 فبراير 2026
-
6 مشاهدة
ثمة لحظات في تاريخ الشعوب لا يُعلن فيها التحول رسمياً، لكنها تُشعر الجميع بأن مرحلة قد انتهت. هكذا يبدو المشهد اليوم في سياق النضال الكردستاني. ليس لأن القضية فقدت مشروعيتها، ولا لأن التضحيات كانت عبثية، بل لأن البيئة التي نشأ فيها شكلٌ معين من النضال تغيّرت جذرياً.على مدى عقود، كان الكفاح المسلح أحد أعمدة الحركة القومية الكردية في أكثر من ساحة. في ظل إنكار الهوية، وحظر اللغة، وغياب أي أفق سياسي، بدا السلاح أداة فرض الوجود. لم يكن خياراً مثالياً، بل خيار الضرورة. وقد نجح في فرض القضية على الأجندات الإقليمية والدولية، وخلق واقعاً لا يمكن تجاهله.لكن العالم الذي احتضن تلك المعادلة لم يعد قائماً.اليوم نحن أمام عصر تُدار فيه الحروب بتكنولوجيا فائقة الدقة. الطائرات المسيّرة، أنظمة المراقبة، تحليل البيانات، والتنسيق الاستخباراتي العابر للحدود، كلّها غيّرت طبيعة الصراع. لم تعد الجغرافيا حصناً آمناً كما كانت، ولم تعد الرمزية الثورية كافية لحماية الفعل المسلح أو ضمان استمراريته. التفوق لم يعد في العدد أو الجرأة، بل في التكنولوجيا والمعلومة.في هذا السياق، لم يعد السلاح دائماً ورقة ضغط سياسية، بل قد يتحول إلى عبء. فكل عمل عسكري يُستخدم لتبرير مقاربة أمنية شاملة، وكل اشتباك يُوظف لإغلاق المجال العام، وتشديد القوانين، وتجفيف منابع العمل المدني. يتحول الصراع من معركة على الحقوق إلى معركة ضد تهديد أمني، وهذا التحول في السردية ليس تفصيلاً.سيعترض كثيرون: إذا لم يتحقق الهدف القومي كاملاً بعد عقود من الكفاح المسلح، فكيف ستتحقق المطالب عبر السياسة؟ أليست السياسة في منطقتنا مرادفاً للمراوحة والتسويف؟السؤال مشروع، لكنه يتجاهل حقيقة أن السياسة نفسها تغيّرت. لم تعد مجرد خطابات أو تفاوض خلف أبواب مغلقة. السياسة اليوم شبكة معقدة من الأدوات: إدارة محلية فعّالة (وهنا نتحدث عن باكور كردستان)، بناء مؤسسات، استثمار في التعليم والاقتصاد، صياغة خطاب حقوقي متماسك، والعمل على كسب شرعية دولية تدريجية. هي معركة طويلة النفس، لا تنتصر بضربة واحدة، لكنها تراكم واقعاً يصعب تجاهله.صحيح أن العمل السياسي في ظل حكومات قوموية مركزية يحمل مخاطر جسيمة: اعتقالات، تضييق، تشويه إعلامي، ومحاولات احتواء شكلية. لكن الفارق أن السياسة تخلق أثراً تراكميّاً. مدرسة تُفتح، إدارة تُبنى، كوادر تُدرّب، مجتمع يُنظّم. هذه عناصر قوة لا تُقاس بلحظة صدام، بل بمدى قدرتها على الصمود والاستمرار.الفارق الجوهري اليوم ليس بين المقاومة والواقعية، بل بين أداة تتآكل فعاليتها بفعل اختلال تكنولوجي صارخ، وأداة أخرى يمكن تطويرها وتوسيع هامشها تدريجياً. في عصر الدرونات، لم تعد الشجاعة الفردية كافية لقلب المعادلات. المعادلات تُقلب بالتحالفات، وبالقدرة على تحويل القضية من ملف أمني إلى قضية حقوق سياسية واضحة.التحول من البندقية إلى السياسة لا يعني إعلان هزيمة، بل إعادة تعريف مفهوم القوة. القوة لم تعد فقط في القدرة على الاشتباك، بل في القدرة على إدارة المجتمع، وصياغة خطاب جامع، وفرض حضور قانوني ومؤسساتي يصعب اقتلاعه. من يتمسك بالأداة ذاتها رغم تغيّر شروط الصراع، يخاطر بأن يتحول نضاله إلى مجرد حدث إعلامي متكرر، بدل أن يكون مشروعاً سياسياً قابلاً للتحقق.التحدي الحقيقي اليوم ليس في مواجهة الخصم فحسب، بل في إقناع الذات بضرورة المراجعة. فالنضال الذي لا يراجع أدواته يفقد تدريجياً قدرته على التأثير. والمراجعة لا تعني التنكر للتاريخ، بل حمايته من الجمود.القضية الكردية لم تنتهِ، لكنها تقف أمام مفترق طرق استراتيجي. السؤال لم يعد: أيهما أشرف، البندقية أم السياسة؟ بل: أيهما أجدى في هذا العصر؟ وأي طريق يفتح أفقاً واقعياً لتثبيت الحقوق بدل إبقائها في دائرة الاشتباك المفتوح؟في عالم يتغير بسرعة هائلة، قد لا يكون البقاء للأكثر صلابة فقط، بل للأكثر قدرة على التكيّف. وهذه ربما أصعب معارك المرحلة الجديدة.
