المقالات

المقالات

هل اسس دونالد ترامب لنظام رئاسي شبه مطلق في امريكا؟

Hussein Omar
  • 3 مشاهدة view

#Hussein_Omar

منذ عودة اسم دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، لم يعد النقاش في الولايات المتحدة يدور فقط حول نتائج الانتخابات أو صراع الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل بات يتناول مسألة أعمق بكثير: طبيعة النظام السياسي الأميركي نفسه وحدود السلطة التنفيذية فيه. فخلال السنوات الأخيرة لم يكن الصراع مجرد تنافس سياسي تقليدي، بل بدا وكأنه محاولة لإعادة تعريف موقع الرئاسة داخل بنية الدولة، وإعادة رسم العلاقة بين السلطات الثلاث التي قامت عليها الجمهورية الأميركية منذ تأسيسها.

لطالما افتخر الأميركيون بأن نظامهم السياسي يقوم على مبدأ الضوابط والتوازنات، والمؤسسات، وهو المبدأ الذي يضمن ألا تتحول أي سلطة إلى قوة مطلقة. فالرئيس يملك صلاحيات واسعة، لكن الكونغرس يملك أدوات رقابة وتشريع، والقضاء يمتلك القدرة على مراجعة الاثنين معاً. هذه المعادلة، رغم ما اعتراها من أزمات عبر التاريخ، ظلت جوهر الاستقرار السياسي الأميركي. غير أن ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو أن هذا التوازن لم يعد مسلَّماً به كما كان، بل أصبح موضوعاً للنقاش والاختبار والضغط.

المسألة لم تبدأ بتعديل دستوري ولا بقرار قضائي، بل بدأت بتغيير الخطاب السياسي. حين يتحول الحديث عن الأعراف السياسية إلى حديث عن قيود غير ضرورية، وحين يُقدَّم تجاوز التقاليد السياسية بوصفه شجاعة لا تهوراً، فإننا نكون أمام تحول عميق في الثقافة السياسية. فالأعراف في الأنظمة الديمقراطية ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل هي ما يمنح النصوص الدستورية روحها ويحدد حدود استخدامها. والفرق كبير بين رئيس يمتلك صلاحيات واسعة لكنه يمارسها بحذر، ورئيس يرى في كل حدٍّ تقليصاً لسلطته يجب تجاوزه أو اختباره.

لقد شهدت الحياة السياسية الأميركية تصعيداً غير مسبوق في الخطاب تجاه الإعلام والمؤسسات القضائية وحتى العملية الانتخابية نفسها. هذا التصعيد لم يكن مجرد صدام عابر بين رئيس ومعارضيه، بل كان إعادة صياغة لفكرة الشرعية السياسية. فبدلاً من أن تُبنى الشرعية على المؤسسات، بدأ يُطرح تصور يقوم على أن الشرعية تستمد أساساً من التفويض الشعبي المباشر، وأن هذا التفويض يمنح الرئيس حقاً أوسع في مواجهة المؤسسات الأخرى إذا اعتُبرت عائقاً أمام إرادة الناخبين.

هذه الفكرة ليست جديدة في التاريخ السياسي العالمي، لكنها كانت دائماً بعيدة عن التجربة الأميركية التي قامت على الشك في السلطة المركزة. الجديد هنا هو أن هذه الفكرة لم تعد هامشية أو نظرية، بل أصبحت جزءاً من النقاش السياسي اليومي، وتبنّاها قطاع واسع من الجمهور الذي يرى في “الرئيس القوي” ضرورة لمواجهة الانقسامات الداخلية والتحديات الخارجية.

إن أخطر ما في هذا التحول أنه لا يعتمد على تغييرات قانونية مباشرة، بل على تغييرات نفسية وسياسية تدريجية. فالدساتير لا تسقط فجأة، بل تتغير طريقة تفسيرها واستخدامها مع مرور الزمن. وما كان يُعد في السابق تجاوزاً خطيراً يمكن أن يصبح، بعد سنوات من التكرار، ممارسة مقبولة أو حتى متوقعة. هذه هي الطريقة التي تتغير بها الأنظمة السياسية دون إعلان رسمي أو تعديل دستوري واضح.

حين ننظر إلى السنوات الأخيرة، يمكن القول إن النجاح لم يكن في تحويل النظام الأميركي فوراً إلى نظام رئاسي مطلق، بل في تأسيس بنية ذهنية وسياسية تقبل بفكرة توسيع صلاحيات الرئاسة إلى حد كبير. لقد تغيرت الحدود النفسية لما يمكن أن يفعله الرئيس، وهذه الحدود النفسية غالباً ما تكون أكثر تأثيراً من النصوص القانونية نفسها. فالقانون يمكن أن يبقى كما هو، لكن طريقة استخدامه وتفسيره يمكن أن تتغير جذرياً.

هذا التحول انعكس أيضاً في علاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية. فبدلاً من علاقة الشراكة المشوبة بالتنافس، بدأ يظهر تصور يرى في الكونغرس عقبة سياسية يجب تجاوزها أو إخضاعها. ومع أن هذا الصراع ليس جديداً في التاريخ الأميركي، فإن حدته وطبيعته الخطابية اتخذتا شكلاً مختلفاً، إذ لم يعد الخلاف يدور حول السياسات فقط، بل حول شرعية المؤسسات نفسها.

وإذا كان القضاء قد بقي حتى الآن أحد أعمدة التوازن، فإن حجم الهجوم السياسي والإعلامي عليه عندما لا تتوافق قراراته مع السلطة التنفيذية يعكس محاولة لإعادة تعريف موقعه في المعادلة السياسية. فحين يُقدَّم القضاء بوصفه طرفاً سياسياً، لا حكماً مستقلاً، فإن ذلك يفتح الباب لتغيير عميق في تصور المواطنين لدوره.

هل يعني ذلك أن النظام الأميركي انتهى أو انهار؟ بالتأكيد لا. فالمؤسسات ما تزال قائمة، والانتخابات ما تزال تُجرى، والتوازنات ما تزال تعمل بدرجات متفاوتة. لكن ما حدث هو انتقال النقاش من مرحلة : هل يمكن توسيع صلاحيات الرئيس؟ إلى مرحلة : إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه الصلاحيات؟. وهذا بحد ذاته تحول كبير في الثقافة السياسية.

إن ما نشهده اليوم يشبه مرحلة تأسيس لنموذج جديد من الرئاسة، نموذج يمنح الرئيس هامشاً أوسع بكثير من القوة، مدعوماً بخطاب شعبوي يرى في الحسم والسرعة والقدرة على تجاوز التعقيدات البيروقراطية فضائل لا تهديدات. وفي عالم يزداد اضطراباً وتعقيداً، يجد هذا الخطاب صدى لدى كثيرين يبحثون عن قيادة قوية قادرة على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة.

لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن كل توسع في السلطة يحمل معه دائماً سؤالاً مقلقاً: من يضع الحدود؟ فالقوة التي تُمنح اليوم بدافع الضرورة قد تتحول غداً إلى قاعدة دائمة يصعب التراجع عنها. وهذه هي المفارقة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم؛ فمحاولة تعزيز قوة الرئاسة لمواجهة الأزمات قد تقود تدريجياً إلى إعادة تشكيل النظام نفسه.

لقد نجح هذا المسار في وضع الأساس الفكري والسياسي لنموذج رئاسي أكثر قوة بكثير مما كان عليه في العقود الماضية. وربما لا يكون هذا التحول مكتملاً بعد، لكنه أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله. فالتغيرات الكبرى لا تبدأ عادة بتعديل النصوص، بل بتغيير ما يعتبره المجتمع طبيعياً ومقبولاً. وما كان يُعد في الأمس استثناءً صار اليوم جزءاً من النقاش، وما يُناقش اليوم قد يصبح غداً قاعدة. والسؤال الذي سيظل مفتوحاً هو إلى أي مدى سيستمر هذا المسار، وما الشكل النهائي الذي ستتخذه الرئاسة الأميركية في السنوات القادمة.

هذا الامر يرتبط بشكل ما مع قبول المنظومة الدولية وسكوتها على تجاوزات والتدخلات وحتى الجرائم التي ترتكبها الولايات المتحدة بحق الدول والشعوب في العديد من بقاع الارض، وكذلك مرتبط بمدى قبول الشعب الامريكي لما وصل اليه تطور زمام السلطة الرئاسية لديه.