المقالات

المقالات

هل المراجعات النقدية مفيدة( النقد والنقد الذاتي)

Hussein Omar
  • 2 مشاهدة view

رؤية حادة وصادمة ولكنها حقيقة

أثبتت التجارب المتراكمة أن أغلب التنظيمات والحركات، بل وحتى الحكومات التي تزعم ممارسة النقد والنقد الذاتي في داخلها، وتدّعي تصحيح أخطاءها وتفادي الوقوع فيها مرة أخرى، هي في حقيقة الأمر الأكثر إصراراً على التمادي في أخطائها، والأكثر غرقاً في تفاصيل هلامية صغيرة تعيق تطورها، والأكثر ميلاً إلى المركزية والدكتاتورية في قراراتها، والأشد رفضاً وقسوةً تجاه كل من يجرؤ على انتقادها.ولهذا السبب، لم تشهد التجارب التاريخية نموذجاً ناجحاً لمثل هذه الأحزاب والتنظيمات والحكومات، يحقق ما ادّعته من مبادئ، أو ينجز الأهداف التي ناضلت من أجلها، حتى وإن استمر وجودها سبعين عاماً. فالتمسك بالمبادئ الجامدة والنظريات الثابتة التي لا تقبل التأويل، يخلق هيكلاً شكلياً للتنظيم والإدارة، وحكومةً فارغة من الحيوية والنشاط والتفكير المبدع؛ حيث يتحول المنتمي أو المدير إلى مجرد أداة تنفيذية، يمارس طقس “جلد الذات” أو ما يُسمى زوراً بالنقد الذاتي، ليس قناعةً منه، بل كي يحافظ على موقعه ومركزه. وفي المقابل، يتحول إلى شخصية عنيفة صارمة مع من هم تحت إمرته أو في نطاق صلاحياته، سواء أكانوا كوادر أم موظفين بسطاء.إنها عملية تبادلية مشبوه، تولد نظاماً صارماً دكتاتورياً في السلوك والممارسة، يبدأ من رأس الهرم التنظيمي أو الحكومي أو الإداري، لينتهي عند القاعدة التي تنكفئ على ذاتها لتحافظ على بقايا شخصيتها التي تتآكل لحظةً بعد أخرى. وبفعل الدعاية المستمرة والتنظير المُعاد، يقتنع الفرد -أو يُقنع نفسه- بأن من هو أعلى منه مرتبةً وظيفيةً أو تنظيميةً على حق مطلق، مما يولد حالة من التبعية العمياء، ورؤيةً مشوهة تجعل كل قرار أو تعليمات صادرة من فوق صحيحةً لا تقبل النقاش. بل إن أي تردد في التنفيذ يستدعي منه العودة إلى ممارسة “النقد الذاتي” المذل، ولطم الخدود استرضاءً لمن يعلوه في السلم الهرمي.إن هذا النمط من التنظيم، وهذا الأسلوب في السلوك والممارسة “النضالية” المزعومة، لم يعد صالحاً ولا منتجاً في عصر الإنترنت الذي يرى ويكشف كل شيء؛ العصر الذي يعري الحكومات والإدارات والأفراد، ويفضح أدق تفاصيل ممارسات التنظيمات وأساليبها.لقد ولى إلى غير رجعة عصر المبادئ الجامدة والنظريات الثابتة التي لا تتغير. فنحن اليوم نعيش في عالم يتغير كل ثانية، وتتسارع فيه التطورات كل دقيقة، دون أن نتمكن من توقع ماهيتها كما كان في السابق.ولهذا، لم يعد هناك مجال للتجريب العشوائي أو المحاولات الفاشلة، كما كان يجري في الزمن الذي لم تكن فيه المعلومة تنتشر بسرعة. حينها، كان الخطأ يُعدّ درجةً من درجات الوصول إلى النتائج الصحيحة، وكان التجريب يفتح الباب أمام تجارب جديدة، وعلى الانكسارات كانت تُبنى الانطلاقات. أما في عصر الإنترنت، والنيوليبرالية، والمكاشفة التامة، فلم يعد بالإمكان البناء على الانكسار، ولا يمكن تصحيح الخطأ بسهولة ويسر. وأقصد هنا الأخطاء والانكسارات النضالية، سواء أكانت مسلحة أم سياسية أم إدارية؛ لأن الزمن اليوم يسبق الحدث، ويتخطى النقاشات التنظيرية العقيمة، ولا يقبل التحرك ضمن مبادئ مقولبة جامدة لا تستجيب لمتطلبات الواقع المتغير.