المقالات

المقالات

الكرد في مختبر التاريخ ،تضحيات دون حصانة

Hussein Omar
  • 10 مشاهدة view

الكرد، منذ لحظة التكوين القومي البدائي وحتى هذه اللحظة التي يعيش فيها العالم عصر التكنولوجيا الخارقة، ما زالوا يعيشون في فضاء التجريب المفتوح. لم يغادروا بعد مختبر المحاولات المتكررة، ولم يستقروا على نموذج نهائي للدولة او للكيان السياسي القادر على الصمود طويل الامد. تاريخهم الحديث، بل وحتى ما قبله، هو تاريخ تجارب متراكمة، معظمها انتهى بالفشل، لكن تمت اعادة تدويرها لاحقا في الذاكرة الجمعية بوصفها ملاحم وانتصارات رمزية. من الدفاع البدائي بالعصي المدببة، مرورا بالسيف والبندقية القديمة، وصولا الى البرنو والكلاشنكوف، ظل السلاح يتغير، لكن النتائج بقيت في جوهرها متشابهة، انتفاضات بطولية، تضحيات جسيمة، ونهايات مفتوحة على الخسارة او التسويات القسرية.
التجربة الوحيدة التي استطاعت ان تنتج واقعا شبه مستقر كانت تجربة اقليم كردستان، لا بسبب عبقرية سياسية استثنائية او تفوق ذاتي حاسم، بل لانها ولدت في لحظة اقليمية ودولية مواتية، تلاقت فيها مصالح القوى الكبرى مع الحاجة الى كيان وظيفي قابل للحياة. هذا لا ينفي التضحيات، ولا يقلل من حجم الدم الذي سال، فكل التجارب الكردية قامت في الاساس على التضحيات بوصفها الوقود الوحيد للاستمرار. لكن التجربة اثبتت ايضا ان التضحيات وحدها لا تصنع كيانا محصنا، ولا تؤسس لبقاء دائم. اقليم كردستان ما زال قائما، لكنه يفتقر الى حصانة كاملة في مواجهة التغيرات العاصفة، والتبدلات البنيوية في النظام الدولي، وصعود موجات سياسية جديدة، في مقدمتها الترامبية، التي لا تمثل مجرد تيار سياسي عابر، بل ظاهرة تعمل على تفكيك اسس الليبرالية الحديثة، وتعيد العالم الى منطق الصفقات الخشنة والصراعات المفتوحة غير القابلة للتنبؤ.
في هذا السياق جاءت تجربة روژآڤا، بوصفها اخر التجارب الكبرى في السلسلة الكردية. تجربة قفزت بسرعة لافتة من فراغ السلطة الى بناء مؤسسات، ومن ادارة محلية محدودة الى شبه دولة غير رسمية، معترف بوجودها بحكم الامر الواقع. غير ان هذه القفزة لم تكن محمية بسقف دولي ثابت، ولا بعمق اقليمي داعم، ما جعلها عرضة للارتداد السريع. ومع تغير الظروف الاقليمية، وانقلاب موازين القوى، بدأت التجربة تتقلص تدريجيا، من مشروع واسع الطموح الى كيان منكفئ، يتكور على نفسه في اطار يشبه محافظة مثقلة بالضغوط والقيود.
هذا التراجع لم يكن نتيجة قلة التضحيات، ولا ضعف الاداء الخدمي، ولا حتى غياب الوحدة الداخلية كما يروج بعض العاطفيين او المتثاقفين الذين يبحثون دائما عن اسباب اخلاقية سهلة للهزيمة. السبب الجوهري يكمن في التحول الدولي العميق، وفي ارادة الترامبية في اعادة قولبة المنطقة ضمن دوائر مفتوحة، تتحرك فيها الفوضى المنظمة، وتدار عبر وكلاء محليين. ضمن هذا المنطق، تم تسليم سلطة دمشق لخلايا ارهابية معاد تدويرها، لتتحول الى اداة توسع وتفريخ، خصوصا في شرق مثقل بداء التخلف والجهل، ومفتوح على احتمالات الانفجار الدائم.
لقد شكلت ثورة روژآڤا لحظة فارقة في الوعي الكردي المعاصر، واعادت ترسيخ صورة الكردي المصمم على استرداد حقوقه مهما بلغت الكلفة. غير ان هذا الاصرار اصطدم بجدار دولي صلب، وبمنطق سياسي لا يعترف بالتضحيات بقدر ما يعترف بالوظيفة. النتيجة كانت واقعا مأزوما، كردي يقف اليوم ويده على الزناد، فيما قلبه معلق على حافة الخوف والانتظار.
هذا المشهد لا يعني نهاية التاريخ، ولا اعلان افلاس التجربة الكردية، لكنه يعني بوضوح ان التكرار بالادوات نفسها، وبالعقليات ذاتها، لم يعد مجديا. الكرد سيكررون التجربة بلا شك، لكن التكرار القادم سيكون مضطرا لان يكون مختلفا جذريا، فكرا ونمطا واسلوبا، لا امتدادا لتجارب ما زالت بقاياها تحاول الصمود خارج الزمن.
الاعتراف الاهم الذي لا بد منه اليوم هو ان التكنولوجيا لم تعد حليفا للايديولوجيا، بل خصما مباشرا لها. الايديولوجيات الصلبة، مهما بدت اخلاقية او عادلة، تفقد فاعليتها امام منطق التكنولوجيا، التي تحسم الصراعات ببرود، وتفرض وقائعها دون حاجة الى شعارات. من لا يدرك هذا التحول، سيبقى اسير خطاب تجاوزته الوقائع، فيما العالم يعاد تشكيله بلا اكتراث للنيات او التضحيات