المقالات

المقالات

الكرد بين فِخاخ الخطاب الطائفي ومشاريع التفتيت السياسي: تحديات الوحدة القومية

Hussein Omar
  • 3 مشاهدة view



    

منذ عقود طويلة، لطالما مثّل الشعب الكردي حالة فريدة واستثنائية في سياق الشرق الأوسط المضطرب، إذ لم يعرف المجتمع الكردي تاريخيًا الانقسامات الطائفية الحادة والمدمرة التي مزّقت وشطرت مجتمعات أخرى عديدة في المنطقة. ففي الوقت الذي كانت فيه الصراعات والحروب الأهلية في بلاد المشرق العربي، وفي بعض دول الجوار الإقليمي، تتخذ طابعًا مذهبيًا دمويًا بين أبناء الدين الواحد والمذاهب المختلفة والمتناحرة، ظل الكرد بمنأى وبعيدين عن الاستسلام لهذه النزعات والفتن الداخلية. السبب الجوهري لذلك هو أن معاناتهم الأساسية لم تكن قط دينية أو مذهبية، بل كانت قومية بامتياز، نابعة من الظلم والاضطهاد الذي تعرضوا له على يد الدول الغاصبة والمحتلة لأرض كوردستان التاريخية. هذه الحقيقة المستمدة من التاريخ هي بالتحديد ما يفسر ذلك التماسك الصلب والترابط المتجذر داخل النسيج الاجتماعي الكردي، على الرغم من المحاولات المتكررة للقوى الإقليمية والدولية الساعية إلى زرع بذور الفتنة والشقاق داخله.
على الرغم من هذا التاريخ الحافل بالوحدة، فقد برزت في السنوات الأخيرة محاولات خطيرة وممنهجة تهدف إلى إدخال المجتمع الكردي عنوة في مستنقع لعبة الطائفية المقيتة، وخصوصًا في المشهد السياسي والاجتماعي داخل تركيا وشمال كوردستان. هذه المحاولات المريبة تتجسد في شكل خطاب إعلامي وسياسي مكثف يزعم زورًا وبهتانًا وجود صراع مذهبي عميق ومحتمل بين الكرد السنة والكرد العلويين، هذا الخطاب ليس مجرد مادة إعلامية عابرة أو بريئة، بل هو جزء أصيل من مشروع سياسي أوسع يرمي إلى ضرب الوحدة المتجذرة للمجتمع الكردي، وتحويل مناطقه إلى ساحة جديدة ومفتوحة للصراعات الطائفية التي استنزفت وأنهكت المنطقة بأسرها. إن الغاية هي تشويه أولويات الكرد وتغيير بوصلة قضيتهم المركزية من قضية قومية إلى مسألة مذهبية فرعية.
من منظور التحليل السياسي العميق، يمكن القطع بأن القوى الإقليمية التي تتوجس خيفة وتخشى من صعود الحركة القومية الكردية وتأثيرها المتنامي، تسعى جاهدة إلى إضعافها عبر تفتيت وتكسير المجتمع الكردي من الداخل. فكما لجأت الأنظمة السلطوية والقمعية في المنطقة إلى استغلال وتوظيف الطائفية كوسيلة لتقسيم شعوبها وإحكام السيطرة عليها وإبقاء حكمها، فإنها تحاول اليوم تطبيق الأسلوب المدمر ذاته على الكرد. إن الترويج المُتعمَّد لفكرة أن الكرد العلويين يوالون دمشق قبل سقوط النظام البعثي، وأن الكرد السنة يعارضونها ويوالون الآن النظام الإسلاموي الجهادي، ليس سوى محاولة مفضوحة ومباشرة لإعادة إنتاج الانقسام الطائفي المُصطنع داخل مجتمع لم يعرفه أو يعيشه على مر تاريخه الطويل.
إن الأمثلة الداحضة لهذه المزاعم عديدة ومتوفرة. فعندما خرجت مظاهرات حاشدة مؤيدة لتنظيم الإخوان المسلمين بعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي، لم نشهد أية مظاهرات أو حشود مماثلة من الكرد العلويين تأييدًا قاطعًا وبشكل جماعي لبشار الأسد. هذا يؤكد بوضوح أن المزاعم حول وجود انقسام مذهبي عضوي وحقيقي بين الكرد لا تستند إطلاقًا إلى واقع اجتماعي صلب أو معطيات حقيقية، بل هي تستند بشكل كامل إلى خطاب مصطنع ومُخترع يهدف إلى بث الشكوك وزرع بذور العداوات البينية.
الأخطر في سياق هذه الحملات الإعلامية المسمومة هو أنها تحوّل الكرد إلى وقود سهل للصراعات الإقليمية والدولية التي تخص الآخرين، بل وأداة طيعة لترويج ونشر أكاذيبهم المغرضة. فعندما يقع بعض الكرد فريسة لتصديق هذه الادعاءات المغلوطة، ظنًا منهم أنهم بذلك يبررون أو يدعمون مواقفهم السياسية الخاصة، فإنهم في الحقيقة يساهمون بشكل مباشر في تمرير أجندات خطيرة للغاية لمن يريد الإيقاع بهم اجتماعيًا ومذهبيًا، ناهيكم عن الأبعاد السياسية الكارثية. هنا تكمن خطورة الطائفية المتعددة الأوجه: فهي لا تقتصر أبدًا على التسبب في الانقسام الاجتماعي فحسب، بل تتحول إلى أداة سياسية فعالة ومُجرَّبة لتفتيت الحركات القومية الموحدة وإضعافها إلى حد التلاشي.
من الضروري بمكان التأكيد على حقيقة أن أي تنظيم كوردي قد يجد نفسه في مرحلة ما مضطرًا للدخول في تحالفات إقليمية مع دول مثل إيران أو تركيا، فإن هذا الإجراء لا يعود أبدًا إلى انتماء مذهبي عميق لقياداته، بل إلى تقاطع مصالح سياسية مرحلية وأجندات تكتيكية آنية. إن الحركات السياسية، سواء كانت كوردية أو أي حركات أخرى، تقوم بتحديد تحالفاتها وفقًا لحسابات دقيقة للقوة والمصلحة المشتركة، وليس على أساس الانتماء الطائفي البحت. وبالتالي، فإن الزعم بأن تنظيمًا كرديًا يقف مع إيران لأنه علوي، أو مع تركيا لأنه سني، هو تبسيط مخلّ ومدمر يهدف بشكل أساسي إلى تشويه الواقع السياسي المعقد وخدمة أجندات خارجية.
هذا التبسيط المتعمد يخدم بشكل كبير القوى الإقليمية التي تريد أن تبقي الكرد في موقع التابع المذعن، وليس في موقع الفاعل المستقل والمؤثر. فحين يُختزل الموقف السياسي برمته في الانتماء المذهبي، يُسلب الكرد حقهم الطبيعي في اتخاذ قراراتهم الاستراتيجية بناءً على مصالحهم القومية والسياسية العليا. وهذا بالتحديد ما يجعل الترويج الشديد والمكثف للخطاب الطائفي يشكّل خطرًا جسيمًا وقاتلاً على مستقبل الحركة الكردية ووحدتها.
لا يمكن فهم هذه المحاولات التفكيكية بمعزل تام عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع. فالقوى الكبرى التي تتدخل عسكريًا وسياسيًا في المنطقة غالبًا ما تستخدم الانقسامات الطائفية كنقطة ارتكاز وأداة فعالة لتوظيف وإدارة الصراعات. وفي هذا السياق الاستراتيجي، يصبح الكرد هدفًا مغريًا للغاية، لأنهم يشكّلون قوة قومية صاعدة ومتنامية يمكن أن تغيّر بشكل جوهري موازين القوى القائمة. لذلك، فإن إقحامهم في لعبة الطائفية يحقق للقوى الكبرى هدفين استراتيجيين مزدوجين: إضعافهم داخليًا عبر الانقسام، ومنعهم من التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة ووازنة.
إن ما يُلاحظ في المشهد التركي وشمال كوردستان من ترويج ممنهج للخطاب الطائفي ليس سوى انعكاس تطبيقي لهذه الاستراتيجية الخبيثة. فالدولة التركية، التي تخشى من الصعود المستمر للحركة الكردية وتأثيرها، تجد في الطائفية أداة فعالة ومُجرَّبة لتفتيت وتقسيم المجتمع الكردي وتصغيره. أما القوى الدولية، فإنها تستفيد من هذا الانقسام لتأمين بقاء الكرد في موقع الضعف، بحيث يمكن توظيفهم واستخدامهم كـ “ورقة ضغط” قابلة للتداول في الصراعات الإقليمية والدولية المعقدة.
أمام هذه التحديات المعقدة والماكرة، يصبح من الضروري والمُلحّ أن يتمسك الكرد بـ خطاب قومي جامع وشامل يتجاوز ويعلو على الانقسامات المذهبية والطائفية الضيقة. هذا الخطاب يجب أن يؤكد بوضوح لا لبس فيه أن الكرد، قبل أي انتماء ديني أو مذهبي أو فرعي، هم شعب واحد يسعى إلى تحقيق حريته وتقرير مصيره والعدالة الاجتماعية. هذه الحقيقة البديهية يجب أن تبقى راسخة ومحفورة في الوعي الجمعي الكردي، لأنها تمثّل الضمانة الوحيدة والمطلقة للحفاظ على وحدة المجتمع الكردي وكيانه في مواجهة جميع محاولات التفتيت والتقسيم.
كما يجب أن يدرك الكرد تمامًا أن الترويج المُضلِّل للخطاب الطائفي لا يخدم سوى القوى المعادية والمتربصة بحقوقهم القومية. فحين ينقسمون على أسس مذهبية، فإنهم يفقدون قوتهم القومية التراكمية، ويتحولون إلى مجرد أدوات منفذة في صراعات لا تخصهم. أما حين يتمسكون بحبل وحدتهم القومية المتين، فإنهم يتحولون إلى قوة فاعلة وحاسمة يمكنها أن تفرض وجودها وقراراتها على الساحة الإقليمية والدولية بثقة واقتدار.
إن الترويج للانقسام الطائفي المُصطنع بين الكرد يمثّل خطرًا وجوديًا جسيمًا، لأنه يهدد بشكل مباشر النسيج الاجتماعي الكردي ويخدم بكل وضوح أجندات القوى الإقليمية والدولية التي تسعى بشكل مستمر إلى إضعافهم. ومع ذلك، فإن التاريخ والتجربة الثورية يثبتان بما لا يدع مجالاً للشك أن الكرد قادرون على تجاوز والانتصار على هذه المحاولات الماكرة، لأن معاناتهم الأساسية كانت ولا تزال قومية بحتة، وليست مذهبية. ومن هذا المنطلق الراسخ، فإن التمسك الراسخ بـ الخطاب القومي الجامع والأخوي هو السبيل الوحيد والأوحد للحفاظ على وحدة الكرد وقوتهم، وضمان مستقبلهم المنشود كقوة قومية حرة وعادلة تسعى إلى تقرير مصيرها الكامل.