المقالات

المقالات

فلسطين وكوردستان: جغرافيا ممزقة، ونخب تصنع الفارق

Hussein Omar
  • 3 مشاهدة view

حسين عمر

تتقاطع طموحات الشعوب المضطهَدة في السعي نحو الانعتاق والتحرر، وتتطابق آلامها في مواجهة الظلم والإنكار، ومع ذلك، تكشف القراءة المتفحصة لتاريخ ومسار الحركتين التحرريتين؛ الفلسطينية والكوردية، عن مفارقات عميقة وسياقات متباينة في بنية الهوية، والجغرافيا السياسية، وفي دور النخب السياسية والثقافية في قيادة المشروع القومي وتوجيهه. ومن هنا تنبثق أهمية تفكيك هذه الجدلية التاريخية لفهم واقع الإنجازات والإخفاقات لدى كلتا القضيتين.

تبدأ المفارقة الأولى من الجغرافيا السياسية والديموغرافيا، حيث خضعت كوردستان لتقسيم رباعي حاد وزّع أرضها وشعبها على أربع دول إقليمية مركزية بموجب اتفاقيات دولية جائرة، في حين انقسمت الجغرافيا الفلسطينية تاريخياً وسياسياً إلى جزأين أساسيين هما الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب أراضي الـ 48 والشتات. هذا التباين الجغرافي ينعكس بشكل صادم على الصعيد الديموغرافي، إذ يُعد الكورد من أكبر القوميات التي لا تملك دولة في العالم بتعداد يتجاوز الأربعين مليون نسمة على أقل تقدير، بينما لا يتعدى تعداد الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات الثمانية ملايين نسمة. ورغم هذا التفوق الديموغرافي الهائل للشعب الكوردي، إلا أن التقسيم الرباعي خلق تعقيدات جيوسياسية تفوق بمراحل جغرافيا الصراع الفلسطيني، حيث تجد الحركة الكوردية نفسها في مواجهة أربع قوى إقليمية كبرى تتناقض في كل شيء وتتفق فقط على وأد أي طموح كوردستاني.

وفيما يتعلق بسيرورة الوعي بالهوية، فقد تبلورت الخصوصية الوطنية الفلسطينية الحديثة بشكل منظم في أعقاب صدمة وعد بلفور عام 1917 وسقوط المنطقة تحت الانتداب البريطاني، ونجحت هذه الهوية سريعاً في التحول إلى رمز عالمي لحركات التحرر مستفيدة من مركزية قضيتها عربياً وإسلامياً ودولياً. في المقابل، يمتلك الشعب الكوردي وعياً قديماً وضارباً في عمق التاريخ بخصوصيته القومية والثقافية واللغوية عبر قرون خلت، ورغم تعرض كوردستان لغزوات وحملات دمج وإلحاق من قوى متعددة عبر التاريخ، من الإغريق والرومان والمغول وصولاً إلى الدول القومية الحديثة التركية والفارسية والعربية، فقد حافظ الشعب الكوردي على صموده وهويته الحيوية دون الانصهار في بودقة الآخرين.

هذا الصمود الكوردي واجه نمطاً من الاستعمار الإلحاقي الشمولي مارسته الأنظمة الغاصبة لكوردستان عبر سياسات التتريك والتفريس والتعريب القسري، ومنع التحدث باللغة الأم، وإنكار الوجود الكوردي من الأساس واعتبارهم مجرد جماعات ملحقة، ولم ينتزع الكورد اعترافاً دستورياً جزئياً بهويتهم إلا في جنوب كوردستان بعد ثورات مريرة وتضحيات جسيمة، وهو ما تُوّج لاحقاً بإعلان الإقليم الفيدرالي، بينما بقيت الأجزاء الأخرى تعاني من إنكار وجودي مطبق. وعلى النقيض من ذلك، ركز المشروع الصهيوني في فلسطين على قضم الأرض وتهجير السكان، لكنه رغم بربريته العسكرية وسياسات الفصل العنصري لم يستطع إلغاء الوجود القانوني والثقافي واللغوي للشعب الفلسطيني، إذ فرضت الحيوية الفلسطينية اعترافاً دولياً وإسرائيلياً بوجود طرف فلسطيني له ملامحه الاجتماعية والسياسية، وهو ما أتاح للفلسطينيين مساحات لتطوير مؤسساتهم ومواصلة نضالهم حتى تشكيل إدارتهم الوطنية وسعيهم لاستكمال التحرر.

تكمن المفارقة الأكثر خطورة وصدمة في المقارنة بين القضيتين في سلوك النخب السياسية والثقافية والحزبية وتوجهاتها نحو الهدف الأسمى المتمثل في تقرير المصير. ففي الحالة الفلسطينية، لم يشهد التاريخ المعاصر ظهور أحزاب أو ساسة أو مثقفين وازنين يقفون ضد حق شعبهم في تقرير المصير أو ينادون بالاندماج في الكيان الإسرائيلي، ورغم وجود عشرات الفصائل والتنظيمات المتصارعة والمختلفة على كل شيء من الأيديولوجيا إلى المحاور الإقليمية، إلا أنها تلتقي وتتفق على نقطة جوهرية ثابتة لا تنازل عنها وهي النضال من أجل إقامة دولة فلسطين المستقلة، حيث كانت هذه النخب صمام الأمان الذي يدفع الجماهير نحو التمسك بالثوابت الوطنية ورفض مقايضة الحقوق السياسية بالمغريات الاقتصادية.

بالمقابل، تشهد الساحة الكوردستانية مفارقة عكسية تماماً، حيث تندر النخب والتنظيمات السياسية والثقافية التي تطالب علناً وبشكل استراتيجي بالحق الطبيعي والشريعة الدولية في تأسيس دولة كوردستان المستقلة على أرضها التاريخية، بل يلاحظ وجود سباق محموم بين أغلبية النخب والأحزاب الكوردية للتشديد على التمسك بحدود الدول التي أُلحقت بها أجزاء كوردستان، وتحت شعارات وأيديولوجيات مختلفة يجري تغييب الخطاب الاستقلالي القومي لصالح خطابات الاندماج في عواصم الدول الغاصبة. وفي وقت يتوق فيه الوجدان الشعبي الكوردي البسيط إلى الحرية والكيان المستقل ويجاهد من أجله، تحاول النخب السياسية والثقافية كبح هذا الجماح وتحطيم معنوياته والوقوف ضد تطلعاته لتوجيهه نحو قبول فتات الحقوق الثقافية أو الإدارية المحاصرة التي لا تلبي طموحه الأساسي.

إن هذه المفارقات تقدم تفسيراً جلياً لأسباب النكبات والنكسات المستمرة؛ فعلّة كوردستان الكبرى ليست في تضحيات شعبها الذي قدم مئات الانتفاضات والثورات، بل تكمن في نخبها التي تعاني من استلاب فكري وسياسي يمنعها من صياغة مشروع قومي استقلالي جامع يتجاوز الحدود المصطنعة، بينما تفوقت القضية الفلسطينية لأنها امتلكت خطاباً سياسياً واضحاً وموجهاً نحو الدولة والتحرر، وحافظت في محطات كثيرة على استقلالية القرار الوطني، في حين وقعت أجزاء كوردستان في فخ الارتهان للمحاور الإقليمية التي تستخدم الكورد كأوراق ضغط سياسية وعسكرية. وفي الختام، فإن الشعوب المضطهدة تتشابه في جرحها وتتساوى في مشروعية أملها بالانعتاق، غير أن التاريخ يعلمنا أن التضحيات الشعبية، مهما عظمت وبلغت شأواً من البطولة، تظل عاجزة عن إحداث التحول التاريخي ما لم تقُدها نخبة سياسية وثقافية مؤمنة بحتمية الاستقلال ومستعدة لكسر قيود التبعية الفكرية والجغرافية، ولن تتوقف نكسات الكورد إلا عندما تتصالح نخبهم مع الطموح الفطري لشعبهم وتتوقف عن التبرير للحدود التي مزقت أشلاء وطنهم.