المقالات

المقالات

النقد الساطع لا القطيعةالمتخيلة بخصوص حديث جميل بايق عن مظلوم عبدي.

Hussein Omar
  • 7 مشاهدة view

الحقيقة الغائبة في قراءة موقف جميل بايق ما لم يفهمه الخصوم الحزبيون والفكريون، وحتى أولئك الذين يرتدون عباءة “الحياد” المزيف، من المقابلة الأخيرة التي أجراها القيادي جميل بايق مع قناة “نوچه تي ڤي”، هو الجوهر الصلب الذي بُنيت عليه أدبيات وطبيعة القيادة المؤسسة لحزب العمال الكردستاني. إنها قيادة قائمة على الإفصاح المباشر عن القناعات والآراء دون رتوش، ودون حسابات مجاملة صريحة على حساب القضية، أو تحسب لمواقف قد تُفهم خطأً في سوق المزايدات السياسية.لقد أدلى بايق برأيه الواضح والمباشر بخصوص قبول الفلكلوري لمنصب مستشار في الرئاسة السورية من قبل القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي. حيث صرح وبشكل لا يقبل التأويل بأنه ليس من الحكمة السياسية في شيء القبول بـ “منصب فضفاض” يفتقر إلى تحديد الهوية الوظيفية والسياسية الدقيقة. وأكد أنه لو كان المنصب ينطوي على توصيف واضح كـ “مستشار للشؤون الكردية”، لكان الأمر مقبولاً ومفهوماً في إطار تمثيل القضية الكردية، لكنه بوضعه الحالي يفتح الباب لتحول السياسي أو القائد العسكري إلى مجرد “بيروقراطي” في هيكل السلطة، مما يعني تجريده تدريجياً من القدرة على خدمة الشعب الذي يمثله والدفاع عن مكتسباته.والغريب في الأمر أن القراءة السطحية للتصريح صوّرت الأفكار وكأنها هجوم أو رفض للتقارب، بينما الحقيقة الناصعة هي أن جميل بايق لم ينتقد إطلاقاً عملية الاندماج ولا التوافقات السياسية مع دمشق؛ بل على العكس تماماً، فقد دعم هذا المسار وطرحه كضرورة مرحلية، بشرط محوري ووحيد: وهو الحفاظ على الحقوق التاريخية والسياسية للشعب الكردي في سوريا وعدم المساومة عليها.غير أن الساحة الإعلامية البديلة اليوم، وتحديداً عالم “التيكتوكرات” و”اليوتیوبرات”، اختطفت هذا الحديث واتجهت به نحو مسارات مختلفة كلياً عن مقاصده. إنه طبع هذه الفئة النرجسية التي تسعى دائماً لاستعراض ذواتها وحصد المشاهدات قبل استعراض الحقيقة ومحتواها. وخاصة تلك الشريحة المناهضة بالوراثة لحزب العمال الكردستاني، والتي تترصد كل كلمة لتصطاد في الماء المعكر، فيلفقون على ألسنة قادة الحزب ما لم يقولوه، بحثاً عن “اللايكات” وإعادة التغريد، وللظهور بمظهر “من اكتشف فتحاً جديداً” أو خرقاً في جدار العلاقة الكردية-الكردية.تلك خديعة مكشوفة ينطلي أثرها للأسف على العشرات، بل المئات من المتابعين الذين ينساقون خلف الإثارة دون أن يجهدوا أنفسهم لدقيقة واحدة في التفكير العقلاني ومدى حقيقة ما يروج له هؤلاء. على الرغم من أن الوصول إلى الحقيقة لم يكن يوماً شاقاً لمن امتلك إرادة البحث التجردي، إلا أن هناك من يفضل الكسل الفكري، مستنداً إلى بغض أحادي وشكوك مترسخة في ذهنيته دون أن تستقر على أرضية صلبة من الفهم التحليلي.لقد تحول حديث جميل بايق منذ البارحة إلى ما يشبه “حصان طراودة” بائس بيد هذه الفئة الجاهلة بالبنية الفكرية والتاريخية لحزب العمال الكردستاني. هذا الحزب الذي يعمل ببراغماتية عالية ومرونة نضالية لتغليب النضال السياسي على الخيار العسكري كلما أتيحت الفرصة، والحزب الذي يؤمن إيماناً مطلقاً بأن كل جزء من أجزاء كردستان يجب أن يقرر مصيره بنفسه ووفق ظروفه الموضوعية الخاصة.إن قيادة الإدارة الذاتية في “روژآڤا” اختارت طريقاً صعباً للغاية، لكنه في الواقع الطريق الأكثر أماناً وضماناً لحماية أرواح الناس وممتلكاتهم وصون حقوقهم في مرحلة تاريخية شديدة التعقيد والتداخل. ومن هذا المنطلق البراغماتي تحديداً، قبل مظلوم عبدي منصب المستشار، محاولاً دفع البلاء وتقليل الخسائر الوطنية.هذا التقييم هو ما أراه شخصياً الأفضل لروژآڤا وللكرد عموماً. ولم يكن هذا الرأي وليد اللحظة؛ فقد كتبت مقالة قبل أكثر من شهرين – حتى قبل التعيين الرسمي لمظلوم عبدي في هذا المنصب – وحذرت فيها صراحة وقلت: “لا تقبل، إنه فخ سياسي ومؤسسي”. ولكن، في نهاية المطاف، قرر هو القبول بناءً على تقديراته للواقع السوري، وهو وحده من يتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن هذا القرار.ومع ذلك، فإن مخالفتي للقرار في حينها لا تعني أبداً أنني سأعارضه أو أهاجمه اليوم، بل إنني سأنقد القرار موضوعياً وبشكل علمي كما انتقده جميل بايق تماماً، لكنني سأظل أثق بشخصه وبإخلاصه، وسأدعم خطواته القادمة لحماية هذا الشعب. تماماً كما يفعل حزب العمال الكردستاني وقيادته، وكما سيفعل جميل بايق نفسه: نقود بالحرية والمصارحة، ونتكاتف في خندق الموقف المصيري الكردي.