قسد وفن المناورة في الزاوية الحادة
- مقالات سياسية
- 03 أكتوبر 2026
-
2 مشاهدة
حسين عمر كاتب وباحث سياسي
منذ أن فرضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نفسها كرقم صعب وركيزة أساسية في المعادلات الميدانية والسياسية في شمال شرق سوريا، ظل السؤال الأكثر حرجًا وإلحاحًا لا يتعلق بحجم الانتصارات العسكرية التي حققتها في الحرب الشرسة ضد تنظيم داعش، بل يتعلق بالدرجة الأولى بما ستفعله في اليوم التالي. ذلك اليوم الذي تسكت فيه المدافع، وينجلي فيه غبار المعارك لتنثر الخرائط عن حقائق الجغرافيا السياسية الصلبة وتوازنات القوى الإقليمية والدولية. ومع كل تحول في المشهد السوري المعقد، كان السؤال يزداد حدة: هل امتلكت قسد حقًا هامشًا حقيقيًا للمناورة السياسية والعسكرية خارج خيار الاندماج والتفاهم مع دمشق، أم أنها كانت منذ اللحظة الأولى تتحرك داخل زاوية حادة رسم الفاعلون الكبار حدودها الضيقة بعناية فائقة؟في الظاهر، يبدو الحديث عن خيارات بديلة كأن الفاعلين من غير الدول يمتلكون حرية القرار وسعة الاختيار ذاتها التي تمتلكها العواصم والدول ذات السيادة. لكن القراءة المتبصرة لسيرورة هذه التجربة الفتية تؤكد أن الخيارات التي كانت تُطرح وتُناقش على الطاولات المغلقة لم تكن سوى ممرات ضيقة ومغلقة، تفضي جميعها بأساليب مختلفة إلى الجدار ذاته، مما جعل خيارات قسد شبه محددة ومسبقة الصنع.كان الخيار الأول والأكثر جاذبية وإغراءً لقيادة قسد لسنوات طويلة هو الرهان على استدامة الوضع القائم، والمراهنة على مظلة الحماية الأميركية الشاملة لمكافحة الإرهاب، وتحويل هذا التواجد العسكري الدولي إلى واقع سياسي قائم ودائم يُرسّخ مشروع الإدارة الذاتية ويضمن انتزاع اعتراف دولي بها. غير أن هذا الرهان حمل في جوهره ثغرة بنيوية وهيكلية قاتلة، فواشنطن لم تتعامل يومًا مع الشراكة مع قسد بصفتها حليفًا استراتيجيًا أو التزامًا وجوديًا أو تبنيًا أيديولوجيًا لنموذجها، بل كعقد وظيفي أمني محدد بمهام محددة للغاية في محاربة تنظيم “داعش”. والوظيفة، بطبيعتها البراغماتية، تنتهي بانتهاء الاستحقاق الميداني أو بمجرد تغير الأولويات والبوصلة السياسية في البيت الأبيض، وبدت قسد مضطرة لقبول ذلك الدور لحماية المنطقة ودحر داعش، التنظيم الذي كان يهدد الوجود الكردي برمته.وتجلى هذا المأزق الهيكلي بوضوح جلي في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2019، عندما أصدرت الإدارة الأميركية قرارًا مفاجئًا بالانسحاب من مناطق الشريط الحدودي في تل أبيض ورأس العين، مما ترك قوات قسد بلا أي غطاء سياسي أو أمني في مواجهة مباشرة مع العملية العسكرية التركية “نبع السلام”. كانت تلك اللحظة الفارقة إثباتًا عمليًا حاسمًا بأن مظلة الحماية الأميركية هي خيار مؤقت بطبعه، محكوم بالتقلبات السياسية في واشنطن، ولا يمكن التأسيس عليه لبناء كيان مستدام في منطقة جغرافية ملتهبة لا تتسامح مطلقًا مع الفراغات الأمنية أو الشرعيات الهشة.أما الخيار الثاني، والمتمثل في المواجهة المفتوحة والصمود الذاتي المنفرد ضد كافة الضغوط الإقليمية والتهديدات الحكومية، فقد كان خيارًا انتحاريًا ومكلفًا بكل ما تعنيه الكلمة. فالقدرة العسكرية الصلبة والتنظيمية لقسد، بالرغم من انضباطها العالي وتمرسها الاستثنائي في حرب العصابات والمواجهات المباشرة ضد التنظيمات المسلحة، تجد حدودها القصوى عندما تنكشف جغرافيًا أمام الجيوش النظامية المجهزة بأحدث الأسلحة وسلاح الجو والطيران المسيّر الذي يغير قواعد اللعبة تمامًا.وكانت تجربة سقوط منطقة عفرين في أوائل عام 2018 بمثابة الدرس الأقسى والأكثر مرارة في هذا السياق، إذ أثبتت واقعيًا أن البيئة الجغرافية المحاصرة، والإصرار على خوض معارك كلاسيكية أو مواجهات طويلة الأمد دون وجود غطاء جوي مؤثر، يعني بالضرورة استنزافًا تسلسليًا وآليًا للمكتسبات البشرية والإدارية، والانزلاق المحتوم نحو خسائر متتالية للمناطق التي تحت سيطرتها. وهو سيناريو كارثي ومكلف لم تكن بيئة شمال شرق سوريا الديمغرافية والإدارية قادرة على تحمله على المدى الطويل دون التضحية بالجوهر المؤسساتي للمشروع برمته.بناءً على هذه التوازنات المعقدة والمعطيات الميدانية، يتضح جليًا أن قيادة قسد لم تكن تملك رفاهية المفاضلة أو الاختيار بين مشروعين كالاندماج أو الإدارة الذاتية، بل كانت تفاضل عمليًا بين صيغتين وأسلوبين للاندماج نفسه: إما اندماج يتشكل عبر عملية تفاوضية وسياسية شجاعة تحفظ أدوار الأجهزة الأمنية والمحلية، وتضمن الخصوصيات الثقافية والتفاهمات الإدارية، وإما انكسار عسكري واستنزاف تدريجي يفرض واقع الاندماج بالقوة القاسية وتحت ضغط الظروف والمجريات القاهرة التي لا ترحم، والنتيجة كانت ستكون إفراغ المنطقة من الكرد أصحاب الأرض الأصليين، وهو ما لم يحصل لأن الاتفاق وعملية الاندماج المتسلسلة أبعدت شبح النزوح الجماعي للكرد من مناطق الجزيرة وكوباني.إن الوصول المتأخر إلى قناعة حتمية الاندماج والوصول إلى تفاهمات وشراكات مع دمشق لا يعكس بالضرورة فشلًا سياسيًا ذريعًا، بقدر ما يعكس استجابة واقعية وحتمية لقوانين الجغرافيا السياسية الصارمة التي تحكم منطقة الشرق الأوسط. فالمشاريع والكيانات السياسية في هذه المنطقة المعقدة لا يمكن لها أن تحيا وتستمر بالشرعية المحلية أو الدعم الخارجي المؤقت وحدهما، بل بمدى قدرتها التكيفية على التأقلم مع توازنات الإقليم وقواعده الصلبة، ورغبة العواصم الفاعلة في الحفاظ على حدود الدول الوطنية ونظامها الإقليمي.من هنا، يغدو الاندماج بالنسبة إلى قيادة قسد مسارًا إلزاميًا للخروج من ضيق مأزق الشرعية المؤقتة إلى البحث الجاد عن موطئ قدم دائمة ومستقرة داخل المعادلة الوطنية السورية الجامعة، ليكون السؤال الجوهري المطروح اليوم ليس: لماذا اتجهت قسد نحو الاندماج، بل: أي صيغة وهيكلية من الاندماج ستضمن عدم العودة إلى تكرار أخطاء المركزية القاسية، وفي الوقت ذاته تُجنب المنطقة والمجتمع المحلي سيناريوهات النزوح القسري والفوضى والتفكك المفتوح.
Hussein Omar
