المقالات

المقالات

اتفاق واشنطن وطهران: حين تصبح العدالة المُدارة ضمانة للاستقرار

Hussein Omar
  • 3 مشاهدة view




منذ سنوات طويلة والعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تُدار وفق إيقاع متوتر لا يستقر. هي علاقة لا يمكن وصفها بالحرب، ولا يمكن أيضاً وصفها بالسلام. أقرب توصيف لها أنها حالة اشتباك مُدار، تقترب أحياناً من حافة الانفجار ثم تعود إلى مساحة التفاوض غير المعلن. واليوم، مع تصاعد الحديث عن اتفاق وشيك بين الطرفين، لا أرى أننا أمام حدث عابر، بل أمام محطة قد تعيد رسم توازنات المنطقة بأكملهامن المهم قول ذلك بوضوح منذ البداية: من يعتقد أن أي اتفاق أمريكي–إيراني سيعني نهاية الصراع أو بداية صداقة بين الطرفين يقرأ المشهد بعين رومانسية لا بعين سياسية. العلاقات الدولية لا تقوم على الصداقات الدائمة، بل على المصالح الدائمة. وما يجري اليوم لن يكون تحالفاً جديداً بقدر ما هو تفاهم واقعي فرضته كلفة المواجهة العالية على الطرفين. الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران لم تعد خياراً قابلاً للحياة، لأن كلفتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية ستكون مدمرة للجميع، ولن يخرج منها أحد منتصراً بشكل حاسم. لهذا اختار الطرفان الإبقاء على خيط اتصال هش؛ خيط يشتد أحياناً ويرتخي أحياناً أخرى، لكنه لا ينقطع، لأن انقطاعه يعني الانزلاق إلى فوضى واسعة لا يمكن التحكم بمآلاتها.
حتى التصعيد الإعلامي أو الضربات المحدودة التي نشهدها بين الحين والآخر يجب قراءتها ضمن هذا السياق. هذه ليست مقدمات حرب بقدر ما هي رسائل تفاوضية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض ورفع سقف المكاسب. إنها جزء من لعبة التوازن وليس مقدمة لكسر التوازن. وهذا الفهم ضروري حتى لا نقع في فخ قراءة المشهد بسطحية أو بعاطفة.
ولفهم الصورة بشكل أعمق، يجب التوقف عن النظر إلى إيران كدولة إقليمية معزولة. إيران اليوم جزء من صراع دولي أوسع بين الولايات المتحدة والصين، وهي تمثل بالنسبة لبكين شريكاً طاقوياً واستراتيجياً مهماً، وعقدة أساسية في شبكة النفوذ الاقتصادي الممتدة غرباً. هذا يعني أن استقرار إيران لم يعد مسألة إقليمية فحسب، بل أصبح مصلحة دولية غير معلنة. فالفوضى داخل إيران لن تضرب المنطقة وحدها، بل ستضرب أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد الدولية. واشنطن تدرك هذه الحقيقة جيداً، وتعلم أن انهيار إيران أو دخولها في حالة فوضى داخلية لن يكون نصراً استراتيجياً، بل أزمة عالمية يصعب احتواؤها. ومن هنا بدأ التحول التدريجي في المقاربة الأمريكية: من سياسة الضغط الأقصى إلى سياسة إدارة التوازن، هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك كارتيلات السلاح التي لها مصلحة كبيرة واستراتيجية في بقاء إيران النظام الذي يدفع دول الخليج العربية الى شراء الأسلحة بالمليارات سنويا، في واقعة لن تتكرر ان تغيير النظام في إيران حينها لم تعد تلك الدول بحاجة الى ذلك الكم الهائل من الأسلحة الهجومية.
في تقديري، جوهر التفاهم المحتمل يتجاوز الملف النووي بكثير. الملف النووي هو الواجهة الأكثر وضوحاً، لكنه ليس جوهر الصفقة. العمق الحقيقي يتمثل في محاولة أمريكية لفتح نافذة اقتصادية أمام إيران مقابل إبعادها خطوة – ولو صغيرة – عن الحضن الصيني. واشنطن تراهن على حاجة إيران الملحة للانفتاح الاقتصادي بعد سنوات طويلة من العقوبات التي أنهكت الداخل الإيراني وخلقت ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً لا يمكن تجاهله. وفي المقابل تراهن طهران على قدرتها على المناورة بين القطبين العالميين دون التخلي عن استقلال قرارها السياسي. إنها لعبة توازن دقيقة: الولايات المتحدة تريد تقليص مساحة النفوذ الصيني في إيران، وإيران تريد كسر العزلة دون تقديم تنازلات جوهرية تمس ثوابتها. ولهذا يمكن وصف ما يجري بأنه شكل من أشكال “العدالة المُدارة”، حيث لا ينتصر أحد بالكامل ولا يخسر أحد بالكامل، بل يحصل كل طرف على الحد الأدنى الذي يسمح باستمرار الاستقرار.
ولا يمكن فهم أي تقارب أمريكي–إيراني دون النظر إلى الخليج، فهو قلب هذه المعادلة النابض. هذه المنطقة تمثل مركز الطاقة العالمي وسوق السلاح الأكبر ومسرح النفوذ الأكثر حساسية. واشنطن تعلم أن استمرار تدفق الاستثمارات وصفقات السلاح وضمان أمن الطاقة يتطلب بيئة مستقرة نسبياً. الاستقرار هنا ليس رفاهية سياسية، بل شرط أساسي لاستمرار النظام الاقتصادي العالمي. ومن منظور المصالح الأمريكية، فإن إيران المقيدة باتفاقيات وضوابط أقل خطراً بكثير من إيران منهارة أو منفلتة. الفوضى تحرق الاستثمارات، وترفع أسعار الطاقة بشكل غير قابل للسيطرة، وتهدد الملاحة والتجارة العالمية. أما التوازن القائم على الردع والتفاهم، فيخلق بيئة يمكن فيها إدارة المصالح الاقتصادية والأمنية في آن واحد.
إذا نجح هذا المسار، فنحن أمام بداية تشكل نظام إقليمي جديد، ليس نظام سلام شامل، بل نظام إدارة صراعات. وهذا بحد ذاته تحول كبير. المنطقة اعتادت لعقود على معادلة الحروب المفتوحة أو التوترات الحادة، أما اليوم فنشهد انتقالاً تدريجياً نحو معادلة مختلفة تقوم على تقليل المخاطر الكبرى وإدارة الخلافات بدلاً من تفجيرها. قد لا يرضي هذا المسار جميع القوى الإقليمية، وقد يظل الشك سيد الموقف لفترة طويلة، لكن منطق السياسة الواقعية يقول إن الحلول الكبرى تولد غالباً من رحم الأزمات المستعصية.
ما يجري اليوم ليس البحث عن مجرد اتفاق تقني أو تفاهم مرحلي، بل عملية إعادة ترتيب هادئة لمعادلات القوة في الشرق الأوسط. إنه انتقال من مرحلة الحافة الخطرة إلى مرحلة التوازن الحذر. وقد لا يكون هذا المسار مثالياً، لكنه في ميزان المصالح يبدو الخيار الأقل كلفة والأكثر عقلانية في منطقة أنهكتها الحروب، وفي عالم لا يرحم من يتأخر عن قراءة التحولات قبل وقوعها.