الشتات الكردي: صراع الولاءات وتحولات “روج آفا” في ميزان القوى
- قصص سياسية
- 01 فبراير 2026
-
17 مشاهدة
تعد الساحة الأوروبية ودول الشتات اليوم الميدان الأكثر حيوية للتنافس السياسي بين القطبين الرئيسيين في الحركة الكردية: حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. هذا التنافس ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو انعكاس لعمق الأيديولوجيا، وتبدل موازين القوى الديموغرافية، وسعي محموم لإثبات الشرعية القومية أمام المجتمع الدولي. ومن خلال مراقبة المسار التنظيمي لهذا التنافس عبر السنوات، نجد أننا أمام مشهد يتداخل فيه الإرث التاريخي بالمتغيرات الطارئة، مما خلق حالة من الجمود في الولاءات تارة، والحراك المفاجئ تارة أخرى.تاريخياً، استطاع حزب العمال الكردستاني بناء “إمبراطورية تنظيمية” في أوروبا امتدت لعقود، حيث تمكن من تشييد بنية جماهيرية متشعبة وغنية تتجاوز مجرد التظاهر الموسمي. القوة الضاربة لهذا التنظيم تكمن في “الفرد المنظم”؛ فالمشارك في مسيرات الحزب ليس مجرد عابر سبيل، بل هو كادر منخرط في خلايا تنظيمية دقيقة، ملتزم بأدبيات الحركة، ومساهم فعال في تمويلها عبر اشتراكات مادية دورية. هؤلاء الأنصار، الذين يشكل كرد “باكور” (شمال كردستان) نواتهم الصلبة، يربطون مصيرهم الوجودي برمزية مؤسس الحزب عبد الله أوجلان، مما يجعل حراكهم مستداماً ومنضبطاً وقادراً على تلبية نداء التظاهر في أي وقت من السنة.في المقابل، ظل الحزب الديمقراطي الكردستاني لسنوات طويلة يتبنى استراتيجية عدم الاهتمام أو ربما السلبي في المجال التنظيمي الجماهيري داخل أوروبا، معتمداً على ثقله السياسي والدبلوماسي داخل الإقليم أكثر من تحريك الشارع في المغترب. إلا أن هذا الركود شهد هزة عنيفة وتحولاً جذرياً مع موجات الهجرة الكبيرة التي أعقبت أحداث سوريا وصولاً إلى تدفق أهالي “روج آفا” (غرب كردستان) بأعداد ضخمة إلى القارة العجوز. هؤلاء الوافدون لم يأتوا فقط كلاجئين، بل جاؤوا كخزان بشري مشحون سياسياً، ليلعبوا دور “الرافد الأساسي” والمنقذ الذي أحيا القواعد الجماهيرية الخاملة للديمقراطي الكردستاني.إن القراءة المتأنية للتجمعات الكبيرة التي ينظمها الديمقراطي الكردستاني اليوم تكشف حقيقة لافتة: المحرك الأساسي والقوة القائدة لهذه المسيرات هم من أبناء “روج آفا”، مع حضور خجول نسبياً لكرد “باشور”، الذي ينتمي اليه الحزب ومع ذلك، يبرز فارق جوهري في طبيعة “الولاء” بين الطرفين؛ فبينما يغرق أنصار “العمال” في تفاصيل الالتزام الحزبي الصارم، يميل أنصار “الديمقراطي” إلى ولاء عاطفي ورمزي يتمحور حول عائلة البارزاني كرمز تاريخي للثورة القومية، دون أن يترتب على هذا الولاء بالضرورة انخراط في هيكلية تنظيمية تفرض عليهم مهاماً يومية أو التزامات مادية بعد فض التجمعات.لكن بعيداً عن صراع الحشود، تظل “روج آفا” هي المرآة التي عرت الجميع. لقد كشفت الأزمة السورية وما تبعها من مخاض سياسي وعسكري عن نواقص وأخطاء بنيوية لدى كافة الأطراف الكردستانية. فهناك من أخطأ في التأسيس والإقصاء، وهناك من أخطأ في الامتناع عن الدعم والمساندة في اللحظات الحرجة، بغض النظر عن الجدل حول صوابية مواقف القوى المسيطرة على الأرض من عدمها. إن “روج آفا” اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي مختبر سياسي سيؤدي حتماً إلى ظهور رؤية كردستانية جديدة قادرة على كسر طوق التخندق الحزبي التقليدي الذي استنزف الطاقات الكردية في صراعات بينية.في المحصلة، إن هذه المرحلة المضطربة التي نعيشها يجب ألا تكون مدعاة لليأس، بل أساساً صلباً لعملية “تصويب البوصلة”. فالقادم من التحديات الجيوسياسية في المنطقة سيكون أكثر تعقيداً وقسوة، مما يتطلب تجاوز الأهداف المرحلية الضيقة نحو الهدف الاستراتيجي الأسمى. إن الشتات الكردي، بكل تلويناته الحزبية، مطالب اليوم بتحويل هذا التنافس من صراع على “التمثيل الجماهيري” إلى تكامل في “العمل القومي”، متمسكين بمبدأ لا يحيد : لا شيء في هذا الوجود أثمن من الاستقلال، ولا قيمة للحياة دون حرية.
