المقالات

المقالات

القمة ،صراع البقاء

Hussein Omar
  • 4 مشاهدة view

حسين عمر

لم يكن في ذلك الارتفاع صوتٌ سوى هدير الرياح، هديرٍ يشبه زئير كائنٍ هائج يلاحقهم في ظلام الجبل. أما الصوت الآخر فكان احتكاك الأحذية الثقيلة بالثلج العميق، صوتًا خافتًا لكنه كان دليلًا وحيدًا على أنهم ما زالوا يتحركون… وما زالوا على قيد الحياة.

رفع شرفان صوته بصعوبة، كأنه ينتزعه من صدره انتزاعًا:

«القمة ليست هدفنا… إنها مجرد عبور. ما نبحث عنه خلفها مباشرة.»

لم يكن يحتاج أن يشرح أكثر. الجميع يعرف أن هذه الرحلة لم تعد مهمة عادية، بل صارت معركة بقاء، وكل خطوة خاطئة قد تعني نهاية ثلاثين رجلًا دفعة واحدة.

في المقدمة كان الدليل يسير بصمتٍ ثقيل. هو ابن هذه الجبال، تربّى بينها وحفظ تضاريسها كما تُحفظ الوجوه المألوفة. لكن الثلج غيّر كل شيء. غطّى الأشجار والصخور والمنحدرات، حتى بدا المكان غريبًا على صاحبه. لم يبقَ من العالم سوى امتداد أبيض لا نهائي، يربك البصر ويشوّه الاتجاهات.

قال شرفان وهو يلتفت إلى الخلف:

«انتبهوا جيدًا… كل خطوة محسوبة. لا نملك ترف الضياع.»

كانت خمس ساعات فقط تفصلهم عن وجهتهم، خمس ساعات قد تتحول إلى عذابٍ طويل إن فقدوا الطريق.

توقفت الثلوج فجأة، وساد صمت غريب للحظات. ظنّ بعضهم أن العاصفة هدأت، لكن الريح عادت أشد قسوة، تحمل معها بلورات ثلج حادة تضرب الوجوه بلا رحمة. صار البرد يتسلل إلى الأجساد ببطءٍ خبيث، كأنه يبحث عن أضعف نقطة لينفذ منها.

قال الدليل بحزم:

«حافظوا على المسافة بينكم. لا أحد يبتعد عن الرتل.»

تحركوا في خط واحد. الدليل في المقدمة، يليه مظلوم الصامت، ثم سوزدار اليقِظ، وخلفهم شرفان يراقب الجميع، بينما بقي باران في المؤخرة يلتفت كل حين إلى الخلف كأنه يحرسهم من خطرٍ لا يُرى.

بعد وقتٍ بدا أطول مما هو عليه، ظهر الوادي فجأة كجرحٍ مفتوح في الجبل. كان الطريق الوحيد للعبور… وأخطر ما في الرحلة كلها. جسر من الثلج فوق عمقٍ لا يُرى، وزلة واحدة قد تعيدهم إلى البداية أو تبتلعهم إلى الأبد.

رفع الدليل يده فتوقف الجميع. اقترب منه شرفان وسأله بصوت منخفض:

«ما الذي يحدث؟»

أجاب الدليل بعد تردد:

«لا أستطيع تمييز الطريق… كل شيء أصبح متشابهًا.»

ساد صمت ثقيل. كانت الحياة معلقة على قرار واحد. طلب الدليل التوقف قليلًا ليتأكد، لكن شرفان رفض. قال بهدوء حازم:

«التوقف هنا خطر أكبر. سنواصل… ببطء شديد.»

نظر الدليل إليه طويلًا، ثم أومأ بالموافقة.

ازدادت البرودة حتى صار الثلج زلقًا تحت الأقدام. كل خطوة أصبحت جهدًا مضاعفًا، وكل نفسٍ يخرج من الأفواه يتحول إلى سحابة تختفي فورًا في الهواء.

تمتم الدليل لنفسه:

«أين شجرة السماق؟»

كان يبحث في ذاكرته كما يبحث الغريق عن شيء يتشبث به. لا شيء حوله سوى البياض. ثم فجأة لمح لونًا مختلفًا يقطع المشهد. بقعة حمراء صغيرة تقف وسط الثلج.

صرخ بفرحٍ مفاجئ:

«ها هي… شجرة السماق! اتبعوني!»

استدار شرفان إلى الرجال، فرأى التعب في وجوههم، لكنه رأى أيضًا شرارة صغيرة لم تنطفئ بعد. صرخ فيهم:

«لم يبقَ سوى ساعة واحدة! ساعة فقط ونصل. لا أحد يتوقف الآن.»

ارتفعت الرؤوس، واستعادت الخطوات قوتها. قال مظلوم بصوت ثابت: «لن نتوقف.» وقال سوزدار: «لن نستسلم.» ومن الخلف صاح باران: «سنصل.»

تحركوا من جديد، لكنهم هذه المرة لم يكونوا مجرد رجالٍ يسيرون في عاصفة. كانوا إرادة واحدة تتحرك نحو الحياة.

كانت الرياح ما تزال تعوي، والثلج ما يزال يتساقط، لكن شيئًا تغيّر في داخلهم. لم يعودوا ضحايا يرتجفون أمام الجبل، بل رجالًا يشقون طريقهم نحوه بثبات.

خلف القمة، خلف الضباب، خلف هذا البياض اللامتناهي… كانت النجاة تنتظرهم.