المقالات

المقالات

الكونفدرالية الديمقراطية وأخوة الشعوب: رؤية أوجلان لمستقبل التعايش

Hussein Omar
  • 3 مشاهدة view

تتجسد نظرية “الكونفدرالية الديمقراطية وأخوة الشعوب” لعبد الله أوجلان كنقيض جذري للمنظومات السلطوية والاستغلالية التي سادت تاريخ البشرية، لا سيما في سياق الدولة القومية الحديثة. يرى أوجلان أن الدولة القومية، عبر “علمنة” العرق وفرض التوحيد الإداري القسري، لم تحقق سوى مزيد من العنف والانقسام وتهميش الهويات الأصيلة؛ فمنذ ظهورها، كرّست مفهوم “الأمة” ككتلة بشرية متجانسة، غالبًا على حساب الأقليات والتنوعات الثقافية والقيم المجتمعية المتأصلة.

إن هذا التوحيد المصطنع -المرتبط تاريخياً بمسيرة الرأسمالية التوسعية- جعل من الدولة القومية أداة بيد النخب الاقتصادية والسياسية لتبرير الاستغلال وشن الحروب، والحفاظ على تراتبية هرمية صارمة تستند إلى القوة المركزية. فبدلاً من أن تكون حامية لحقوق الشعوب، أصبحت في جوهرها أداة للقمع، إما عبر سحق الاختلافات، أو من خلال خلق “عدو خارجي” مصطنع لتوحيد الرأي العام وتبرير السياسات التوسعية.

وفي مواجهة هذا التشخيص، تقدم “الكونفدرالية الديمقراطية” إطاراً تحويلياً لا يعتمد على إلغاء الدولة بشكل كامل، بل على إعادة هيكلتها جوهرياً. فهي ليست دعوة للانفصال، بل تحول من نموذج “الدولة-الأمة” المرتكز على السلطة المركزية، إلى نظام “الأمم الديمقراطية” القائم على التعددية واللامركزية والمشاركة المباشرة.

يكمن جوهر الكونفدرالية الديمقراطية في “الديمقراطية الشعبية”، وهي ليست مجرد آلية تمثيلية، بل ممارسة تتغلغل في كافة جوانب الحياة، بدءاً من القرارات المحلية وصولاً إلى السياسات الإقليمية؛ حيث تُبنى السلطة من القاعدة إلى القمة عبر شبكات من المجالس والمؤتمرات التي تمثل كافة مكونات المجتمع. تمنح هذه الهياكل -كالبلديات ولجان الأحياء- الأفراد والجماعات الحق الأصيل في إدارة شؤونهم بأنفسهم، والتعبير عن تطلعاتهم بحرية، مع تركيز جوهري على تمكين الفئات المهمشة تاريخياً، وفي مقدمتها المرأة، عبر مبدأ “الرئاسة المشتركة” والشراكة المتساوية في القيادة.

أما مفهوم “أخوة الشعوب”، فيشكل العمود الفقري لهذا النظام؛ فهو يتجاوز مجرد التسامح بين الثقافات إلى بناء تضامن نضالي عميق. ولا يُقصد به صهر المكونات في مجتمع واحد متجانس، بل الاحتفاء بالتنوع والاعتراف بأن القوة الحقيقية تكمن في الوحدة الناشئة عن تقبل الآخر. إنها دعوة لمواجهة المركزيات المهيمنة –سياسياً واقتصادياً وثقافياً وبيئياً– عبر بناء تحالف واسع يجمع كل المتطلعين إلى عالم أكثر عدالة. هذه الأخوة لا تعني التخلي عن الهوية، بل استمداد القوة منها عبر الانخراط في مسيرة جماعية تحمي المظلومين وتُعيد تعريف السياسة كفعل تضامني، لا كمنافسة وصراع على السلطة.

يتطلب بناء هذه المنظومة تحولاً من “اقتصاد الدولة ورأس المال” بوصفهما أنظمة استغلالية، إلى “اقتصاد أخلاقي مجتمعي” يمنح الأولوية للاحتياجات العامة والاستدامة البيئية والتنمية العادلة، بعيداً عن منطق الربح الأقصى. كما يستدعي ذلك تبني نظام “الدفاع المشروع” الذي يركز على حماية المجتمع لذاته، بدلاً من الانخراط في سباقات التسلح والسياسات العدوانية.

يؤمن أوجلان بأن حل مشكلات العنف، والاضطهاد القومي والطبقي، والتدهور البيئي، يكمن في هذا التحول نحو مجتمعات ديمقراطية تعيش في انسجام مع بعضها ومع الطبيعة. إنها رؤية شاملة تسعى لتحرير الإنسان من كافة أشكال السلطة القمعية، وتمكينه ليكون صانعاً حقيقياً لمصيره.

ملاحظة ختامية:

من الملاحظ سمو هذا الطرح النظري، الذي واجه -ولا يزال يواجه- رفضاً قاطعاً من الأنظمة الاستبدادية والقوموية؛ كونه يمثل بديلاً عادلاً لسلطتها “القومودينية” واللاأخلاقية. يدرك صاحب النظرية، كما ندرك نحن، أن تطبيقها في واقع موبوء بالفقر الثقافي والأخلاقي يواجه تحديات جسيمة، لكنها تظل الطرح الأكثر واقعية لحل الصراعات وإيقاف العنف والتسلط، متى ما توفرت الإرادة الشعبية لتنفيذها.