المقالات

المقالات

ترامب والتحول النيوليبرالي القاسي: التحرك نحو نظام عالمي مسيطر

Hussein Omar
  • 5 مشاهدة view

حسين عمر

لم تكن ظاهرة دونالد ترامب مجرد انحراف مؤقت في مسار التاريخ السياسي الأمريكي، ولم تكن مجرد استجابة شعبوية بسيطة للأزمات الداخلية. بل هي مؤشرٌ واضح على تغيير أعمق طرأ على النظام الليبرالي الغربي. يقود ترامب في الواقع ثورة مضادة تُدمر آخر معاقل الليبرالية السياسية التقليدية، القائمة نظرياً على التعددية والمؤسسات والضوابط القانونية، لدعم نظام نيوليبرالي أكثر قسوة. يُلغي هذا النموذج البُعد الأخلاقي للسياسة، ويُحوّل العلاقات الدولية إلى مجرد علاقات قوة ومصالح شخصية.بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الليبرالية غطاءً للنظام العالمي الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وقد أدت الأزمة الاقتصادية، وتفاقم التفاوت الطبقي، وتضاؤل ثقة الجمهور في المؤسسات الغربية إلى انهيار قاعدة النظام الدولي الأمريكي. في ظل نظام ترامب، لا تُخفي الولايات المتحدة حقيقة أنها تعتبر الهيمنة الأمريكية حقًا أصيلًا لا هدفًا أخلاقيًا وقانونيًا يُمكن الدفاع عنه.تكتسب النيوليبرالية مزيدًا من الهيمنة عندما تُطبَّق كسياسة اقتصادية تدعم التجارة الحرة وتقلل من تدخل الدولة. تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية للحفاظ على هيمنتها العالمية بدعم من إجماع واشنطن. وتلجأ الولايات المتحدة إلى العقوبات والنزاعات التجارية والقيود المالية وحلّ التحالفات كأساليب معتادة للحفاظ على سيطرتها على العالم، بدلًا من استخدامها كأساليب استثنائية.لهذا التحول أثر بالغ الخطورة، فهو لا يقتصر على تغيير القوانين فحسب، بل يمسّ أيضاً المبادئ الأساسية لتفاعل الدول فيما بينها. فمفهوم الاستقلال الذاتي بات اليوم مرهوناً بدعم الأفراد، بينما استُغلت مبادئ الديمقراطية كشعار يستخدمه القادة ضد خصومهم ويتجاهلونه مع حلفائهم. وتقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتفسير القانون الدولي أو تجاهله كلما لم يصب ذلك في مصلحتها الوطنية المباشرة.هذا يعني أن برامج مثل مجلس السلام ليست برامج قائمة بذاتها، بل هي جزء من خطة أوسع تهدف إلى تغيير طريقة عمل الدول دوليًا. إن مفهوم الاستقرار والسلام الذي تروج له هذه البرامج ما هو إلا محاولة لبناء مؤسسات جديدة تخضع لسلطة الرئيس الأمريكي. وهذا ما يجعل التعاون الدولي مجرد مظهر خارجي، إذ تُركّز السلطة الأساسية في يد جهة واحدة تخضع لسيطرة صارمة.وهكذا، فإن ما نشهده ليس انهيارًا تامًا للنظام العالمي الليبرالي، بل تغييرًا في مبادئه الأساسية. فالليبرالية المتناقضة، التي سعت إلى التوفيق بين القيم والمصالح، استُبدلت الآن بالليبرالية الجديدة العنيفة، المستعدة للتضحية بالقيم في سبيل المصالح وإعطائها الأولوية. يقوم النظام العالمي الحالي على مبدأ هيمنة القوة في العلاقات الدولية بدلًا من الشراكة، وعلى قواعد القوة بدلًا من القانون. إن شعارات القوة وإعادة رسم مناطق النفوذ من خلال سلطة صنع القرار العليا تحرم الدول من حق تقرير المصير. هذا المسار محفوف بالمخاطر ليس فقط بسبب آثاره قصيرة المدى، بل أيضًا لأنه يُحدث أثرًا دائمًا سيؤدي إلى زعزعة استقرار النظام الدولي. سيفقد المجتمع الدولي سلطته الأخلاقية، التي ستُستبدل بقوة القتال، وسيُختزل العالم إلى قرارات تكتيكية لإمبراطورية واحدة تنظر إلى الآخرين كموارد أو ساحات معارك لا كحلفاء.