المقالات

المقالات

تصريحات توم باراك والجدل حول الديمقراطية في الشرق الأوسط

Hussein Omar
  • 21 مشاهدة view






    منذ تعيينه ممثلاً للرئيس الأميركي دونالد ترامب في سوريا، أثارت تصريحات توم باراك جدلاً واسعاً، لأنها بدت وكأنها تشكك في جدوى الديمقراطية في الشرق الأوسط وتميل إلى تفضيل الأنظمة الملكية بوصفها نموذجاً أكثر استقراراً. غير أن فهم هذه التصريحات لا يكتمل إذا جرى التعامل معها بوصفها رأياً شخصياً عابراً أو موقفاً أيديولوجياً معادياً للديمقراطية. فالمسألة أعمق من ذلك، وترتبط بسياق سياسي وفكري أوسع تشكّل خلال العقد الأخير داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، كما ترتبط بخلفية باراك الشخصية وطبيعة العلاقة التي جمعته بترامب وما عكسته من تحولات في خطاب السياسة الخارجية الأميركية.

توم باراك ليس دبلوماسياً تقليدياً تدرّج في مؤسسات وزارة الخارجية، بل رجل أعمال عقاري ومالي أمضى معظم حياته المهنية في عالم الاستثمار والصفقات. هذه الخلفية المهنية تترك بصمتها بوضوح على طريقته في قراءة السياسة الدولية. فهو يميل إلى النظر إلى الدول بوصفها بيئات استثمار تتأرجح بين الاستقرار والمخاطر، لا باعتبارها مشاريع أيديولوجية أو تجارب سياسية يُفترض دعمها بدوافع أخلاقية. في هذا الإطار يصبح مفهوم الاستقرار حجر الأساس في رؤيته، بينما يتراجع شكل النظام السياسي إلى مرتبة ثانوية ما دام قادراً على توفير بيئة يمكن التنبؤ بها، تحافظ على الأمن وتضمن استمرارية العلاقات الاقتصادية والتحالفات الأمنية.

التحول الأهم الذي مهّد لمثل هذه التصريحات يعود إلى تجربة الربيع العربي وما تلاها من انهيارات وفوضى وحروب أهلية في عدد من الدول التي شهدت محاولات انتقال سياسي. داخل واشنطن، تبلورت قناعة متزايدة بأن دعم التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط لم يحقق النتائج التي كانت متوقعة، بل فتح الباب أمام فراغات أمنية وصراعات داخلية وصعود قوى متطرفة، إضافة إلى موجات لجوء ضخمة هزّت الاستقرار الإقليمي والدولي. هذه التجربة ولّدت نوعاً من الإرهاق داخل دوائر صنع القرار من فكرة “تصدير الديمقراطية”، ودفعت إلى ظهور أصوات ترى أن المشكلة لم تكن في دعم الأنظمة السلطوية بقدر ما كانت في إسقاطها دون وجود بدائل مستقرة قادرة على إدارة الدولة.

في ظل هذا المناخ الفكري الجديد، بدأت بعض الدوائر الأميركية تنظر إلى الملكيات العربية بوصفها نماذج نجحت في الحفاظ على قدر من الاستقرار لعقود، مقارنة بجمهوريات شهدت انقلابات أو ثورات أو حروباً أهلية. هذه المقارنة لا تنطلق من تقييم أخلاقي بقدر ما هي قراءة براغماتية ترى أن الاستقرار السياسي، حتى لو كان تحت أنظمة غير ديمقراطية، قد يكون أقل كلفة من الفوضى التي قد تنتج عن تحولات غير مكتملة. وعندما يعبّر باراك عن تفضيله للملكيات، فإنه يعكس هذا المزاج الواقعي الذي يضع الاستقرار فوق الاعتبارات الأيديولوجية.

العلاقة الوثيقة التي جمعته بترامب تساعد أيضاً على فهم هذا الخطاب. فقد اتسمت إدارة ترامب برفض فكرة نشر الديمقراطية بوصفها مهمة مركزية للسياسة الخارجية الأميركية، ومالت إلى التعامل مع العالم بمنطق الصفقات والمصالح المباشرة. كان ترامب يكرر أنه يبحث عن شركاء قادرين على السيطرة على بلدانهم وضمان الأمن والتعاون، وأن شكل النظام السياسي ليس أولوية مقارنة بتحقيق الاستقرار ومكافحة الإرهاب وحماية المصالح الاقتصادية. صحيح أن هذا التوجه لم يبدأ مع ترامب، إذ مارسته إدارات سابقة بطرق مختلفة، لكنه في عهده خرج إلى العلن بصراحة أكبر، بعدما كانت السياسات المشابهة تُغلَّف بلغة دبلوماسية تتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية.

من زاوية اقتصادية بحتة، تبدو الملكيات بالنسبة لرجل أعمال مثل باراك بيئات أكثر جاذبية للاستثمار. فالاستقرار السياسي ووضوح القرار المركزي وسرعة تنفيذ المشاريع الكبرى عوامل تقلل المخاطر في نظر المستثمرين. في المقابل، تعاني الديمقراطيات الناشئة أو الدول التي تمر بمراحل انتقالية من تقلبات سياسية واحتجاجات وتغيرات تشريعية متكررة، ما يجعل بيئة الاستثمار أكثر هشاشة وأقل قابلية للتنبؤ. هذه المقاربة الاقتصادية تفسر جانباً مهماً من لهجة باراك التي بدت للبعض صادمة، لأنها تتعامل مع قضية شديدة الحساسية بمنطق حسابات المخاطر والعوائد.

مع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه التصريحات تعبيراً عن موقف أميركي موحّد. فهي تمثل اتجاهاً متنامياً داخل النخبة السياسية يرى أن الواقعية السياسية ينبغي أن تتقدم على الطموحات الأيديولوجية، لكن يقابله تيار آخر ما زال يؤمن بأن دعم الديمقراطية يظل ضرورياً لتحقيق استقرار طويل الأمد. هذا الانقسام يعكس جدلاً مستمراً داخل واشنطن حول الدروس المستخلصة من العقد الماضي، وحول ما إذا كان الاستقرار الذي توفره الأنظمة السلطوية مؤقتاً أم أنه يزرع بذور أزمات أكبر في المستقبل.

في النهاية، يمكن قراءة تصريحات باراك بوصفها انعكاساً لتحول في المزاج السياسي الأميركي أكثر من كونها موقفاً فردياً معادياً للديمقراطية. إنها تعبير عن رؤية براغماتية ترى العالم من زاوية المصالح والاستقرار والأمن، حتى لو بدا ذلك متناقضاً مع الخطاب التقليدي حول نشر الديمقراطية. هذا التباين بين الخطاب والممارسة ليس جديداً في السياسة الدولية، لكنه أصبح في السنوات الأخيرة أكثر وضوحاً وصراحة، وهو ما يفسر حجم الجدل الذي أثارته هذه التصريحات في المنطقة.