حرب أوكرانيا هل أوروبا ضحية الموقف أم شريك في صناعة الأزمة؟
- مقالات سياسية
- 25 أكتوبر 2026
-
1 مشاهدة
حسين عمر
تسمع في وسائل الإعلام الأوروبية كل يوم تقريباً تحذيرات مرعبة عن -الخطر القادم من روسيا-، وكأن موسكو وحش يتربص ليبتلع عواصم القارة من وارسو إلى برلين وباريس. هذا الكلام لم يعد محصوراً بغرف الجيش والأمن، بل أصبح حديث الشارع والسياسيين الذين يطالبون برفع ميزانيات التسليح والتحضير لحرب طويلة الأمد.
لكن، إذا هدأنا قليلاً وفكرنا فيما يدور وراء الكواليس، سنكتشف أننا لست أمام تحذير أمني عابر، بل أمام محاولة لتغيير طريقة تفكير الأوروبيين واختياراتهم الكبرى. فحين يتكرر الحديث عن حرب وشيكة كل يوم، لا تتغير خطط الحكومات وحدها، بل يتغير أيضاً قبول المواطنين لقرارات اقتصادية ومعيشية قاسية ما كانوا ليقبلوها في الظروف العادية.
عسكرياً، تدرك دوائر القرار في أوروبا جيداً أن الجيش الروسي متورط ومستنزف في أوكرانيا، ومن الصعب جداً أن يشن هجمات واسعة لاكتساح أوروبا الغربية بالسهولة التي يصورها الإعلام. فالحرب التي ظنت موسكو أنها ستنتهي في أيام قليلة، تحولت إلى مستنقع طويل أهدر مواردها البشرية والاقتصادية، وأكد أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة كسب السياسة. هذا لا يعني أن روسيا بلا مخالب؛ فهي ما زالت تشكل خطراً، لكنه خطر من نوع آخر كالهجمات الإلكترونية، وزعزعة الاستقرار الداخلي، والتلاعب بالانتخابات، واستغلال الانقسامات الاجتماعية، بعيداً عن حرب الدبابات التقليدية المباشرة. وهنا يبرز السؤال المهم: طالما أن خطر الاجتياح العسكري مبالغ فيه، فلماذا يصرّ القادة الأوروبيون على هذا التجييش المستمر وتقديم الحرب كخيار لا بديل عنه؟
القصة تعود لما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ حيث كانت الفرصة سانحة لبناء أمن أوروبي مستقر ومشترك مع روسيا. لكن ما حدث هو العكس تماماً؛ توسع الناتو شرقاً واقترب من الحدود الروسية، مما اعتبرته موسكو خنقاً لمجالها الحيوي وأمنها القومي. وعندما تحولت أوكرانيا إلى نقطة الصدام الكبرى بين الطرفين، رأت روسيا في تمدد الغرب خطراً وجودياً فاندفعت لحرب وقائية، بينما اعتبر الغرب أن ما فعلته روسيا هدم لقواعد النظام الدولي، فقرر مواجهتها بالعقوبات والدعم العسكري المفتوح لكييف.
هنا تكمن المفارقة: أمريكا تدير الحرب بمنظور القوة والمنافسة العالمية الواسعة، بينما تجد أوروبا نفسها في وجه المدفع، لأنها ترتبط بروسيا جغرافياً، وتجارياً، وبعلاقات طاقة وتاريخ مشترك. لذلك، فإن تكلفة الاستمرار في هذه المواجهة ليست متساوية بين الحلفاء. فالولايات المتحدة تملك مواردها وطاقتها الضخمة واقتصاده القوي، بينما تعتمد الصناعة الأوروبية على التجارة الخارجية وأسعار الطاقة الرخيصة التي كانت تمنح منتجاتها ميزة تنافسية عالمية.
كان السر في نجاح الاقتصاد الألماني والأوروبي لسنوات طويلة بسيطاً: طاقة روسية رخيصة مقابل صناعة متطورة وتصدير للعالم. ولكن مع انقطاع الطاقة الروسية والاتجاه لشراء الغاز المسال بأسعار السوق العالمية الباهظة، ارتفعت تكاليف الإنتاج بشكل جنوني، خصوصاً في الصناعات الثقيلة كالكيميائيات والمعادن. ونتيجة لذلك، بدأت كبرى الشركات تفكر بنقل مصانعها واستثماراتها إلى أمريكا أو الصين حيث الطاقة أرخص، مما يهدد مستقبل الصناعة والوظائف في أوروبا بأكملها.
بلجيكا، بوصفها قلب الاتحاد الأوروبي والناتو، ليست بعيدة عن هذه الهزات. فقد دفعت مساعدات بما يعادل أكثر من 4 مليارات يورو حتى الآن مع تخصيص أكثر من مليار آخر للسنة الجارية والتزمت بإرسال طائرات «إف-16» لكييف، ولهذا يشعر المواطن البلجيكي البسيط بالثقل الحقيقي لهذه السياسات في فواتير الطاقة والأسعار اليومية. وصحيح أن نظام «ربط الأجور بالمؤشر» في بلجيكا يشكل شبكة أمان محمية للعمال والموظفين، لكنه في الوقت نفسه يزيد الأعباء الكبيرة على أجور الشركات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة التي تعاني أساساً من ارتفاع تكاليف التشغيل والمنافسة الشرسة. أضف إلى ذلك معضلة الأموال والأصول الروسية المجمدة لدى مؤسسة «يوروكلير» في بروكسل؛ فالضغط السياسي يتزايد لاستخدام أرباح هذه الأموال لدعم أوكرانيا وإعمارها، لكن أي خطوة متسرعة بمصادرة الأصول تهدد الثقة الدولية بالنظام المالي الأوروبي ككل وتضرب مكانة بروكسل المالية العالمية. هذا بالنسبة لبلجيكا اما الدول الاوربية الأخرى فهي تعاني أكثر وتضعف القوة الشرائية لدى شريحة واسعة من المواطنين بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.
المشكلة اليوم أن لغة التهويل الروسي لم تعد مجرد قراءة عسكرية، بل أصبحت أداة سياسية لتمرير قرارات اقتصادية واجتماعية قاسية تحت يافعة -الضرورة الأمنية-. لكن المواطن الأوروبي يبدأ بالتساؤل: إلى متى؟ وإلى أي حد يمكن الاستمرار في خصم الموارد من الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية لصالح زيادة ميزانيات التسليح؟ أوروبا تخوض حرب استنزاف متعددة الجبهات؛ فهي تعتقد بانها تحمي أمنها، لكنها في نفس الوقت تُضعف اقتصادها ونموذجها الاجتماعي الذي بُني على الرفاه والاستقرار والاستقلال السياسي.
لم تعد القضية مجرد من ينتصر في أوكرانيا، بل كيف ستخرج أوروبا من المعركة؟ هل ستخرج قوية ومستقلة، أم باقتصاد منهك واعتماد تام على الحليف الأمريكي؟ إذا لم تعد أوروبا قراءة حساباتها وتوازن بين قوتها العسكرية ورفاهها الاقتصادي، فقد تجد نفسها تدفع ثمناً باهظاً لحرب لم تكن صاحبة القرار فيها، لكنها تحصد الجزء الأكبر من أعبائها ونتائجها.
والتساؤل المشروع هنا : هل أوروبا ضحية حرب لم تستطع منعها، أم أنها شريك في صناعة المأزق الذي تعيشه اليوم نتيجة حسابات استراتيجية لم تراعِ بما يكفي خصوصية مصالحها وأمنها الاقتصادي؟ ربما تكمن الإجابة في الجمع بين الأمرين، لكن ذلك لا يعفي القيادات الأوروبية من مسؤولية مراجعة سياساتها، ولا يمنحها الحق في مطالبة شعوبها بتحمل كلفة مفتوحة من دون نقاش جدي حول أهداف الحرب ونهايتها. فأوروبا لا تخاطر اليوم بأموالها ومواردها الاقتصادية فحسب، بل تخاطر أيضاً بأحد أهم أسباب استقرارها التاريخي: قدرتها على الجمع بين القوة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي والاستقلال في القرار الاستراتيجي. وإذا لم تتمكن من إعادة التوازن بين هذه العناصر، فقد تجد نفسها أمام واقع تكون فيه قد دفعت ثمناً باهظاً في حرب لم تكن صاحبة القرار في مسارها، ولم تكن صاحبة المصلحة الأكبر في جميع حساباتها، لكنها تتحمل قسطاً متزايداً من كلفتها ونتائجها.
المقال منشور على موقع #الحوارالمتمدن
