حين تصنع السذاجة الهزيمة
- مقالات سياسية
- 15 أبريل 2026
-
8 مشاهدة
السذاجة ليست مجرد صفة عابرة في حياة الشعوب، بل قد تتحول إلى عامل تاريخي يساهم في رسم مصائر الأمم وإعادة تشكيل حاضرها ومستقبلها. وعند قراءة التجربة الكردية عبر التاريخ، يبدو واضحاً أن السذاجة السياسية والعاطفية كانت واحدة من أهم العوامل التي أعاقت صقل الوعي الوطني، وسمحت للخصوم باستثمارها لإفشال كل خطوة نحو الحرية أو تثبيت الحقوق.
يقدم التاريخ مثالاً مبكراً صارخاً يتمثل في تجربة إدريس البدليسي خلال الصراع بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية. فقد تحولت كردستان إلى ساحة حرب مفتوحة نتيجة حسابات عاطفية ووعود سياسية زائفة. السلطان العثماني نجح في مخاطبة طموح البدليسي ووعده بحكم كردستان بعد الانتصار على الصفويين، فاندفع الرجل بثقة كبيرة نحو التحالف مع القوة الصاعدة. لكن النهاية كانت مأساوية؛ فبعد الانتصار لم يُنفذ الوعد، ولم يُعترف حتى بالاتفاق الشفهي، وانتهى الرجل مهمشاً ومغضوباً عليه. بقيت كردستان مسرحاً للصراعات، بينما تحوّل الوعد إلى مجرد وسيلة مؤقتة لتحقيق مصلحة عابرة. هذه الحادثة ليست تفصيلاً تاريخياً، بل نموذج متكرر في علاقة القوى الكبرى بالشعوب التي تراهن على الوعود دون امتلاك أدوات القوة.
وفي التاريخ المعاصر، تتكرر الحكاية بأشكال مختلفة. فقد انتهت وعود صدام حسين باغتيال من خدموا مشروعه بعد انتهاء أدوارهم. مرة أخرى، يظهر النمط ذاته: وعود براقة، تحالف مؤقت، ثم نهاية مأساوية حين تنتفي الحاجة. هذا النمط يكشف أن السياسة لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح، وأن الثقة المجردة قد تتحول إلى ثغرة قاتلة إذا لم تُدعَم بالوعي والقدرة على قراءة موازين القوى.
السذاجة لا تتوقف عند حدود التاريخ، بل تمتد إلى الحاضر بأشكال مختلفة. ففي المرحلة الحالية، تظهر مواقف تشبه أحداثاً سابقة حين يندفع بعض الكرد إلى الرهان على وعود السلطة الجديدة في دمشق ممثلة بـ هيئة تحرير الشام، على أمل تحقيق مكاسب أو تسويات سياسية. غير أن التجربة التاريخية تعلمنا أن الوعود التي تُطلق في لحظات التحول والصراع غالباً ما تكون مؤقتة ومشروطة، وأن القوى التي تسعى إلى تثبيت سلطتها لا تتردد في تغيير خطابها أو التنصل من تعهداتها عندما تتبدل الظروف. إن تكرار الرهان على الوعود ذاتها دون قراءة التجارب السابقة يعكس استمرار السذاجة بوصفها عاملاً مؤثراً في اتخاذ المواقف.
أما المثال الأكثر إيلاماً فيكمن في ما حدث في عفرين، حيث انتظر بعض السكان دخول القوات التركية والفصائل المسلحة بأمل التغيير الإيجابي. لكن الواقع كشف سريعاً حجم الفجوة بين التوقعات والنتائج: انتهاكات، نهب، تهجير، وفقدان للأمن والاستقرار. ومع ذلك، بقيت فئة تستنجد بالجهة نفسها التي كانت سبباً في المأساة، متوجهة بنداءاتها إلى رجب طيب أردوغان على أمل إيقاف الانتهاكات. هنا تتجسد المفارقة القاسية: الضحية تطلب الحماية ممن ساهم في خلق المأساة.
السذاجة السياسية غالباً ما تتخفى خلف صفات تبدو إيجابية مثل حسن النية أو طيبة القلب، لكنها تتحول إلى عامل مدمر عندما تصبح بديلاً عن التفكير النقدي. فالنية الحسنة لا تكفي في عالم السياسة، بل قد تتحول إلى مدخل للاستغلال حين لا تقترن بالوعي والتحليل. العدو لا يحتاج دائماً إلى استخدام القوة لإضعاف خصمه؛ أحياناً يكفي أن يترك له مساحة ليخدع نفسه.
كما تتجلى السذاجة في الخطاب العام حين يُدافع البعض عن شخصيات أو أطروحات دون قراءة كاملة للسياق أو فهم الأهداف الكامنة وراءها. يتم التركيز على جانب محدد من الخطاب وإهمال الجوانب الأخطر، فيتحول النقاش إلى سجال عاطفي بدلاً من أن يكون حواراً عقلانياً مبنياً على تحليل المصالح والنتائج. وهكذا تتحول السذاجة إلى عجز عن قراءة ما بين السطور، وإلى ميل دائم لتصديق الرواية الأكثر قرباً للعاطفة لا الأكثر قرباً للواقع.
المشكلة الأساسية ليست في وجود السذاجة بوصفها سمة بشرية، بل في تحولها إلى ظاهرة جماعية تؤثر في القرارات المصيرية. فالشعوب لا تضيع فرصها التاريخية بسبب نقص الشجاعة فقط، بل أحياناً بسبب الإفراط في الثقة بالآخرين، أو بسبب قراءة الواقع بعين العاطفة بدل العقل.
إن الطريق إلى الحرية لا يمر فقط عبر النضال السياسي أو العسكري، بل يبدأ أولاً بتحرير العقل من أسر السذاجة. فالوعي النقدي، والقدرة على قراءة المصالح، وفهم طبيعة الصراع، كلها عناصر أساسية لبناء مشروع وطني متماسك. الشعوب التي تتعلم من أخطائها تحوّل تجاربها المؤلمة إلى دروس، أما التي تكرر الأخطاء نفسها فتجد نفسها تدور في الحلقة ذاتها جيلاً بعد جيل.
التحرر الحقيقي يبدأ من العقل. وعندما يتحرر العقل من هيمنة العاطفة غير المنضبطة، يصبح قادراً على التمييز بين الوعود والواقع، بين التحالف والمصلحة، وبين الصديق والخصم. عندها فقط يمكن الحديث عن مستقبل مختلف، لا تُعاد فيه الأخطاء القديمة، ولا تُمنح فيه الثقة لمن أثبت التاريخ أنه لا يستحقها.
