المقالات

المقالات

روژآڤا خطوة الى الامام وخطوتين الى الوراء

Hussein Omar
  • 1 مشاهدة view

تاريخيًا، تكاد حصيلة الحركات الثورية الكبرى أن تتشابه إلى حدّ التطابق: الفشل في بناء النظام الذي بشّرت به، والعجز عن تحويل الخطاب التحرّري إلى دولة قابلة للحياة. فحتى الثورات التي نجحت في الاستيلاء على السلطة، أخفقت في إدارة المجتمع بعد إسقاط النظام القديم، وانتهت – في معظم الحالات – إلى ديكتاتوريات صلبة برّرت قمعها الدائم بذريعة “حماية الثورة” و”صون مكتسباتها”. وكانت النتيجة إما إسقاطها لاحقًا بفعل غضب الجماهير، كما حدث في أوروبا الشرقية، أو بقاؤها كأنظمة قائمة حوّلت حياة الناس إلى جحيم يومي، كما في كوريا الشمالية وإريتريا وإيران.فالثورة الفرنسية، التي رفعت شعارات الحرية والمساواة والأخوّة، سرعان ما انزلقت إلى “عهد الإرهاب” بقيادة روبسبير، حيث أُعدم عشرات الآلاف باسم الثورة ذاتها، قبل أن تنتهي إلى إمبراطورية نابليون، أي إلى إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة. والثورة البلشفية في روسيا لم تسقط فقط بفعل الهزيمة العسكرية أو سباق التسلح، بل لأنها تحوّلت تدريجيًا إلى مشروع معادٍ للمجتمع، صادر السياسة والاقتصاد والإنسان معًا، وحوّل الحزب إلى دولة، والدولة إلى جهاز قمع شامل. أما جمهوريات شرق أوروبا الاشتراكية، فقد انهارت لأنها فرضت نموذجًا سياسيًا واقتصاديًا مغلقًا، حوّل الدولة من أداة تنظيم عام إلى كيان مافياوي يحتكر السلطة والثروة ويخنق المبادرة الفردية.حتى الثورة الإيرانية، التي جاءت على موجة تعبئة شعبية عارمة ضد الشاه، انتهت إلى نظام ديني شمولي صادر المجتمع باسم “ولاية الفقيه”، وأعاد إنتاج القمع بلغة دينية أشد قسوة. وكوبا، آخر من تبقى يرفع راية الاشتراكية الكلاسيكية، لم تعد اليوم سوى دولة تترنح بين الحصار والعقوبات وخطوط الفقر، عاجزة عن تقديم نموذج قابل للتعميم أو الإلهام، بعد أن تحوّلت الثورة إلى سردية تاريخية جامدة تُستعمل لتبرير استمرار الحكم لا لتجديده.بهذا المعنى، لم تعد التجارب الثورية بصيغتها الكلاسيكية تنتمي إلى الحاضر، بل إلى زمن تاريخي انقضى. وكل من يحاول اليوم استعادة تفصيلة منها، أو فرعًا أيديولوجيًا من فروعها، وتطبيقه حرفيًا في واقع معاصر، يتجاهل حقيقة جوهرية: الظروف الموضوعية التي أنتجت تلك الثورات لم تعد قائمة. فنحن نعيش في عالم تحكمه العولمة، والفضاء التكنولوجي المفتوح، وتدفقات المعلومات، وانهيار البنى المغلقة، حيث لم تعد الدولة القومية قادرة حتى على احتكار السردية، فكيف بثورة أيديولوجية تحاول فرض نموذج شامل من أعلى؟في هذا السياق، يمكن النظر إلى تجربة روژآڤا بوصفها آخر محاولة ثوروية متأخرة، سعت إلى تطبيق نموذج المجتمع الكومنيالي في بيئة اجتماعية لم تمر تاريخيًا بمسار علمنة أو تفكيك للبنى التقليدية. ورغم الجهود المبذولة لبناء مجتمع مدني وثقافة تقدمية عصرية، ورغم اعتماد نموذج الرئاسة المشتركة، وجعل حرية المرأة إحدى ركائز المشروع، ومنع تعدد الزوجات، وتأسيس مؤسسات أمنية وعسكرية خاصة بالمرأة، فإن هذه الإنجازات بقيت محصورة في الإطار المؤسسي، ولم تتحول إلى وعي اجتماعي راسخ أو إلى قناعة شعبية عامة.المشكلة لم تكن في الأفكار بذاتها، بل في افتراض أن المجتمع يمكن “إعادة تشكيله” بقرارات إدارية ونصوص أيديولوجية. فالمجتمع لا يتغيّر بالقوانين وحدها، بل عبر مسار تاريخي طويل من التحولات الاقتصادية والثقافية والتعليمية، وهو ما لم يكن متوفرًا في بيئة مثقلة بالبنى العشائرية والدينية والاقتصاد الريعي والحرب المستمرة.الأكثر دلالة أن القيادة التي بشّرت بهذا المشروع، تخلّت عنه بالكامل عند أول اختبار سياسي حاسم. فالانتقال المفاجئ من خطاب “الإدارة الذاتية” و”الديمقراطية القاعدية” إلى خطاب “الاندماج” لم يكن مناورة تكتيكية، بل تفكيكًا كاملاً للمشروع، بما في ذلك الكيان السياسي الذي تم الدفاع عنه لسنوات. وحين جرى هذا التخلي، لم تجد القيادة من يدافع عن المشروع، لأن الجماهير لم تكن قد تبنّته بوصفه خيارها الطبيعي، بل تعاملت معه كإدارة أمر واقع.بل أكثر من ذلك، جرى القبول الصريح بإعادة المجتمع إلى ما يُسمّى “حالته الطبيعية”، أي إلى بنيته العشائرية والدينية التي تشكّلت عبر قرون، والتخلّي عن فكرة الإدارة الذاتية نفسها، وهي الأساس النظري الذي قام عليه المشروع برمّته. هذا التحول لم يكن تفصيلاً لغويًا أو سياسيًا عابرًا، بل إعلان نهاية كاملة لتجربة ادّعت القطيعة مع الدولة المركزية، لتعود في النهاية إلى أحضانها دون شروط دستورية أو ضمانات سياسية.صحيح أن هناك أسبابًا موضوعية وضغوطًا إقليمية ودولية، وصحيح أن ميزان القوى انقلب لصالح فكر بدوي صحراوي يستند إلى العنف وإلى إرث ديني وقوموي دموي، لكن كل ذلك لا يغيّر من الحقيقة الأساسية: المشروع سقط لأنه لم يتحول إلى خيار شعبي واعٍ، بل بقي تجربة نخبوية محمولة على أيديولوجيا مغلقة، منفصلة عن البنية العميقة للمجتمع.في المحصلة، ستترك التجربة أثرًا ما في الذاكرة الاجتماعية، لكنها لن تصمد طويلًا أمام نظام إسلامي جهادي صاعد يعمل على محو أي أثر بديل. والدليل الأوضح أن مصطلح “الديمقراطية” اختفى تمامًا من خطاب القادة السابقين للإدارة الذاتية، ليحل محله مفهوم “الاندماج”، وهو مصطلح لا يعني في جوهره سوى التخلي الكامل والانصهار في دولة بلا دستور، وبلا رؤية سياسية واضحة، وبلا شرعية حقيقية.وهكذا، لا تنتهي التجربة بوصفها فشلًا ثوريًا فحسب، بل تتحول إلى درس قاسٍ في حدود الأيديولوجيا عندما تنفصل عن المجتمع، وفي استحالة فرض التقدم بالقوة، أو بالأماني الحسنة، أو بالنوايا الثورية المجردة.