المقالات

المقالات

سيكولوجية “جلد الذات” والبحث عن شفقة الجلاد: قراءة في المأساة الكردية

Hussein Omar
  • 15 مشاهدة view

لطالما كان التاريخ شاهدًا على نضالات الشعوب في سبيل الحرية والانعتاق، حيث نقرأ بين طياته قصصًا ملهمة لأمم صعدت من رماد الفناء نحو شمس الاستقلال. وفي خضم استعراض هذه السرديات الإنسانية، تقف الحالة الكردية كظاهرة تستدعي التأمل العميق، مزجت بين التراجيديا الأليمة والمفارقة العميقة. ففي خضم المعاناة، نجد أن الضحية نفسها، بدلًا من فضح ظلامتها، تتحول إلى جلاد لذاتها، تلسع نفسها بسياط النقد واللوم، وتعاقب نفسها على وجودها المقيد. هذه الدراما الإنسانية، المتمثلة في “الكردي المظلوم”، توصلنا إلى تصور هش ترى فيه صرخات الحرية استثارة للسوط، وتجد في وجودها القومي تبريرًا لعداء الأنظمة وتكالب القوى الدولية، وكأن القدر نسج لها ثوب الضحية الذي لا يمكن خلعه إلا بالتخلي عن جوهرها.

تتجذر مأساة الوعي الكردي المشوه في تبني سردية الظالم. بدلًا من أن يوجه سهام النقد إلى الأنظمة الغاصبة التي شتت أرضهم ومزقت نسيجهم القومي، ينغلق الكردي على نفسه، مؤكدًا بمرارة: “نحن السبب”. يتغلغل اعتقاد بأن العقلانية تقتضي الاستسلام، وأن أي محاولة للتأكيد على الهوية هي مغامرة لا طائل منها تجلب معها الويلات. في هذا المناخ، يتحول النقد الذاتي من أداة بناء وتصحيح إلى سياق قاسٍ للجلد والتعذيب النفسي. يرى الفرد الكردي المثقل بالهموم أن تقسيم كردستان لم يكن مؤامرة استعمارية باردة، أو نتاج صراعات القوى العظمى، بل يرجعه إلى نقص جوهري فيه. هذا الشعور بالذنب المصطنع يتحول إلى ثغرة تتيح للخصم الدخول، ليراقب بكل فخر كيف يكمل الكردي مهمة التدمير، مفككًا هويته القومية بيديه. إنه حالة من “التوحد مع المعتدي”، حيث يستبطن الضحية معايير وظروف جلاده، ويرى في مقاومته سببًا للعقاب، لا حقًا لا يمكن التنازل عنه. يبلغ هذا الاستبطان ذروته حين يتصور أن الانصياع والإذعان قد يجلب السلام، وأن الصراع المستمر لن يجلب إلا المزيد من الخسائر.

تبلغ هذه التراجيديا أقصى درجات الألم في مشهد “الأخ” الذي يغرس خنجره في جسد أخيه، لا بدافع الضغينة، بل تحت شعار “الحفاظ على ما تبقى”. يوجه المعتدي الداخل هذا الاتهام لأخيه المكبل بالصراع: “أنت من دفعتنا لهذا المصير! لو قبلت بحاكم ظالم كأردوغان أو استسلمت للنظام الإيراني، لما علقت المشانق، ولما دُمرت مدننا كما في ‘سلوپي’ و’شرناخ’ و’جزيرة’، ولما وقعت مجازر ‘روبوسكي’ و’الأنفال’ الشهيرة.” هذا المنطق المتداعي يصور الظالم كقوة لا مفر منها، وكأن وجوده طبيعي ولا يمكن مقاومته، بل ويصور الضحية على أنه “المستفز” الذي يستحق ما جرى له. هذه حالة عميقة من الاستلاب الفكري، حيث ترى في استبداد حاكم أو قسوة نظام مجرد “ردود فعل” طبيعية على طموح مشروع. يصرخ قاتل بأخيه وفي يده الخنجر: “عاشت كردستان!”، في تناقض صارخ يكشف زيف الشعارات حين تخلو من معنى الكرامة والمقاومة، فتتحول إلى مجرد غطاء يزركش به فعل الخيانة. إنه تصوير قاسٍ لواقع يعيشه الكثيرون، حيث يقبلون بمسؤولية مضاعفة تفوق تلك المفروضة عليهم من قبل العدو الخارجي، مفضلين ألم الوحدة الوهمي على مخاطر الانفصال المستقل.

في ذروة الأزمة، يلتفت “الكردي المطيع”، بنظر الحكام، إلى “شريكه في الجريمة” (المحتل)، مدعيًا بأن التنازل المطلق هو الحل. بلسان المفاوض المنقاد، يقول: “لولا هؤلاء المتشددون، لربما وجدنا حلًا لقضيتنا.” لكنه لا يدرك أن الأنظمة القمعية لا تقدم الحقوق عن كرم، بل تنتزع انتزاعًا. وهنا نصل إلى الانهيار القيمي الأكبر، حيث يصبح ابتغاء رضا العدو هدفًا ساميًا. يتحول النضال من أجل الاستقلال إلى مسعى لاستجداء التسامح، وتصبح نظرة الرضا من الظالم “إنجازًا قوميًا”. هذا النوع من التفكير يخشى ثقل الحرية لأنه يتطلب مسؤولية، ويفضل العبودية الآمنة ظاهريًا على الانعتاق المتأرجح. يخاف هذا المنهج من مواجهة الحقيقة، حيث يفضل الهروب من دائرة المواجهة والتحدي، والاختباء خلف أعذار واهية، معتقدًا بأن الظالم سيكرمه جزاءً لإذعانه. يصبح الخوف من التبعات المستقبلية للقمع أقوى من الإيمان بالحق في الحرية، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من الخنوع الذي لا ينتهي.

في لحظة من الصدق المتجلي، يكشف “الشريك” (العدو) عن الحقيقة التي يخشى الكردي المستلب الاعتراف بها. وبينما يبعد القاتل جثة أخيه، يهمس: “هيا نبتعد قبل أن يعود للحياة، أمثاله لا يموتون. إنهم يناضلون من أجل الحرية.” هذه الشهادة من الخصم هي بمثابة إدانة صارخة لمن اختاروا الخضوع. فالعدو يدرك تمامًا أن قوته تكمن في صمود المقاومين الذين يساوم عليهم “الكردي المتسامح”، ويعرف أن لولا هذه المقاومة الصلبة، لما فكر حتى في التفاوض أو تقديم تنازلات ضئيلة. يدرك العدو أن “الكردي المذعن” لا يشكل تهديدًا، لكنه أيضًا لا يستحق الاحترام، ولن ينفعه ذلك يومًا عندما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. إن اعتراف العدو بقيمة المقاومة هو في حد ذاته اتهام مبطن بمن يقف في الضفة الأخرى.

تختتم المأساة بصدام الأصوات: صوت بلسان المعتدي يصرخ: عاش النهج القومي، يشوه النهج كي يخدم أجندات إقليمية ويمزق الوحدة الوطنية. وفي المقابل، صوت المناضل الشهيد وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بكرامة، يهمس: “عاشت الإنسانية… عاشت المقاومة.” تبقى الصرخة الأخيرة لتنير الطريق. فالمقاومة ليست مجرد حمل للسلاح، بل هي رفض تام لتحميل الضحية مسؤولية جرائم جلادها. الكردي الذي يرفض جلد ذاته ويتخلى عن استجداء الشفقة هو وحده القادر على إعادة كتابة تاريخه. أما أولئك الذين يبررون – لـقتلة الشعب الكردي من حكام الأنظمة المغتصبة لأجزاء وطنه كردستان- جرائمهم بحجة “خطأ الأخوة”، فلن يجنوا سوى خيبة الأمل، وسيبقى خنجرهم موصومًا بالعار الذي لا تمحوه الشعارات.

الحرية تبدأ من الداخل، من تغيير جذري في المفاهيم. تبدأ حين يكف المظلوم عن الاعتذار لجلاده لمجرد وجوده، وحين يدرك أن كرامته ليست هبةً تنتظر الإذن، بل هي حق أصيل ينتزع بالوحدة والصمود، لا بطعن الأخ لتخفيف غضب الغريب. إن إدراك هذا التحول الجوهري في الوعي هو البداية الحقيقية للتحرر، وتحويل المعاناة إلى وقود نضال مستمر.