ما بعد فشل المفاوضات: من منطق التفاهم إلى إدارة الصراع الإقليمي
- مقالات سياسية
- 12 أبريل 2026
-
4 مشاهدة
حسين عمر
إن النظر إلى التعثر الراهن في مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه مجرد توقف عابر في الماكينة الدبلوماسية هو قراءة قاصرة لا تدرك عمق التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة، بل إن هذا الفشل الظاهر يمثل في جوهره إعلاناً صريحاً عن دخول المسار الدولي مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة تتجاوز لغة الغرف المغلقة إلى لغة الضغط المفتوح. ففي عالم السياسة الدولية المعاصر، عندما تغلق أبواب الحوار المباشر، لا يعني ذلك بالضرورة قرع طبول الحرب الشاملة فوراً، بل يعني انفتاح الباب على مصراعيه أمام مرحلة انتقالية يتقدم فيها منطق القوة الخشنة على حساب منطق التفاهمات الناعمة، حيث يصبح الهدف ليس الوصول إلى اتفاق بل إدارة الصراع بأقل الخسائر أو تحسين شروط التفاوض المقبل عبر ساحات الاشتباك.
إن هذا التعثر الحالي لا ينبع من خلافات تقنية بسيطة حول صياغة البنود أو التفاصيل الإجرائية المملة، بل هو تعبير عن فجوة استراتيجية عميقة في ترتيب الأولويات بين قوتين تريان العالم من منظورين متناقضين تماماً، حيث تصر طهران على أن أي خطوة جدية نحو التهدئة يجب أن تسبقها مكاسب ميدانية وسياسية ملموسة تبدأ بوقف إطلاق النار في الساحات المشتعلة مثل لبنان وتخفيف قبضة العقوبات الاقتصادية التي تخنق شرايينها المالية، بينما في المقابل تصر واشنطن ومعها حلفاؤها الغربيون والاقليميون على أن الالتزامات النووية الصارمة وتقديم ضمانات أمنية إقليمية شاملة هي المدخل الوحيد والحصري لأي حوار يمكن وصفه بالجاد، وهذا التصادم في الرؤى يضع المنطقة أمام معضلة كبرى تختصر المشهد في سؤال محوري حول من يمتلك القدرة على تحمل كلفة الانتظار ومن يمتلك نفساً أطول في لعبة عض الأصابع المستمرة.
وبالعودة إلى دروس التاريخ القريب والبعيد، نجد أن فشل الدبلوماسية في لحظات التوتر الإقليمي الحاد يؤدي حتماً إلى انتقال ثقل الصراع من الطاولات الدبلوماسية الأنيقة إلى ساحات الضغط العسكري المتدرج، والهدف من هذا الانتقال ليس تدمير الخصم في مواجهة انتحارية بل إعادة رسم خطوط الردع وتعديل موازين القوة قبل العودة مجدداً إلى طاولة المفاوضات. وفي هذه المرحلة الضبابية، تبرز الأدوات الكلاسيكية للحروب غير المباشرة التي تشمل الضربات الجراحية المحدودة، وتنشيط جبهات الوكلاء، وتصعيد التوتر في الممرات المائية الحساسة مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، مما يعني عملياً توسيع مسرح العمليات عسكرياً ولوجستياً ليشمل دولاً مثل العراق وسوريا، لتبقى المنطقة في حالة غليان دائم لا تصل إلى الانفجار الكبير ولكنها تمنع الاستقرار المنشود.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن تداعيات هذا الانسداد الدبلوماسي تكاد تكون فورية ومباشرة، حيث إن استمرار حالة اللايقين يضغط بقوة على أسواق الطاقة العالمية، مما يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز التي تعد عصب الحياة للاقتصاد الدولي. وهذا الارتفاع المفاجئ أو عدم الاستقرار في الإمدادات ينعكس بسرعة فائقة على الاقتصادات الهشة، ولا سيما في القارة الأوروبية التي تعاني أصلاً من تبعات نزاعات دولية أخرى، مما يرفع معدلات التضخم ويزيد من هشاشة الاستقرار المالي العالمي. وفي ظل هذا المشهد القاتم، يفتح تعثر التفاوض الباب أمام سباق تسلح إقليمي محموم، حيث يجد الطرف الإيراني في تسريع برنامجه النووي الرد الأمثل على تشديد العقوبات، بينما لا تجد القوى المنافسة له بداً من تصعيد تهديداتها وتبني استراتيجيات الضربات الوقائية، لنتحول تدريجياً من منطق المنفعة المتبادلة إلى منطق الردع القائم على الخوف والقلق من المجهول.
وفي ظل هذا السياق المعقد، يمكننا استشراف مسارات التصعيد المستقبلية عبر قراءة هادئة للسيناريوهات المحتملة، حيث يبرز السيناريو الأول كنمط للحرب المحدودة منخفضة الحدة، وهو المسار الذي نعيشه فعلياً الآن، حيث يستمر التصعيد عبر عمليات استخباراتية دقيقة وضربات متبادلة تحت سقف الاشتباك المسموح به، بهدف اختبار قوة الخصم وإجباره على التراجع دون الانزلاق إلى مواجهة وجودية. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في اتساع رقعة المواجهة لتصبح حرباً إقليمية واسعة تشترك فيها أطراف متعددة بشكل مباشر، مما قد يؤدي إلى شلل كامل في حركة الملاحة الدولية واضطراب هائل في سلاسل التوريد العالمية، وهو خيار مكلف جداً لجميع الأطراف لكنه يظل ممكناً إذا ما حدث خطأ في الحسابات أو تقدير رد فعل الطرف الآخر. بينما يظل السيناريو الثالث، المتمثل في الحرب الشاملة المباشرة بين القوى الكبرى، هو الأقل احتمالاً نظراً لتكاليفه الكارثية التي قد تعيد المنطقة والعالم عقوداً إلى الوراء، لكن مجرد بقائه كاحتمال يفرض ضغطاً هائلاً على صناع القرار.
ورغم قتامة هذه الصورة الاستراتيجية، فإن التجربة التاريخية في إدارة الأزمات الدولية تؤكد دائماً أن معظم التسويات التاريخية الكبرى لم تنضج إلا بعد مراحل طويلة ومريرة من التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي المتبادل، ولذلك فإن فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات لا يمثل بالضرورة نهاية المطاف للعمل السياسي، بل هو إشارة إلى دخول المنطقة في مرحلة “إنضاج الصراع” حيث يتم اختبار كافة الخيارات الخشنة قبل العودة إلى الحلول السلمية. نحن اليوم أمام واقع جديد يتسم بالتوتر المستدام والسباق المحموم نحو فرض الإرادات، وهي مرحلة تتطلب من كافة الفاعلين الدوليين والإقليميين أعلى درجات الحكمة والقدرة على ضبط النفس، لأن اللعب على حافة الهاوية قد يؤدي في لحظة غفلة إلى سقوط الجميع، ومع ذلك يبقى الأمل معلقاً على أن هذا التصعيد ليس إلا تمهيداً لتسوية أكثر واقعية وصموداً، حيث تعود الأطراف إلى الحوار وهي تدرك تماماً كلفة البدائل الأخرى، لتصيغ اتفاقاً يعكس موازين القوى الجديدة التي فرضتها سنوات الضغط والاشتباك، بعيداً عن الأوهام الدبلوماسية التي لم تعد تصمد أمام حقائق الميدان والجغرافيا السياسية المشتعلة.
