المقالات

المقالات

ما وراء الانحياز الظاهري: قراءة استراتيجية في تحالف واشنطن وتل أبيب

Hussein Omar
  • 4 مشاهدة view

في الخطاب السياسي السائد، غالبًا ما يُختزل الموقف الأمريكي من إسرائيل إلى صورة نمطية تُصوّر الدعم على أنه انحياز أعمى أو تبعية عاطفية لا تحكمها حدود المنطق الاستراتيجي. غير أن الغوص في أعماق صنع القرار في واشنطن يكشف عن واقع أكثر تعقيدًا ودقة؛ فسياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل ليست نتاج صدفة تاريخية أو مجرد استجابة لضغوط لحظية، بل هي حصيلة تراكم معقد للمصالح الجيوسياسية العليا، والحسابات الداخلية الدقيقة، والسرديات التاريخية العميقة التي جعلت من هذا التحالف أحد أكثر العلاقات ثباتًا واستمرارية في النظام الدولي المعاصر.

على المستوى الجيواستراتيجي، تظل إسرائيل الركيزة الأهم للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، منطقة تتسم بعدم الاستقرار المزمن وتشابك المصالح العالمية. إن وجود حليف إقليمي يتمتع بتفوق عسكري نوعي، وقدرات استخباراتية هائلة، وبنية تحتية تكنولوجية متطورة، يمنح واشنطن “ذراعًا طويلة” وقدرة على المناورة غير المباشرة في بيئة شديدة الخطورة. لقد بدأ هذا الدور يتبلور بوضوح خلال الحرب الباردة، حيث مثلت إسرائيل عنصر توازن حيوي في مواجهة المد السوفييتي في المنطقة. ومع تبدل الخرائط الدولية، لم يفقد هذا الدور بريقه، بل تحول ليشكل حجر الزاوية في استراتيجية الاحتواء الحديثة ضد القوى الإقليمية الصاعدة، وعلى رأسها إيران وحلفاؤها. وبالتالي، فإن العلاقة تتجاوز الإطار الثنائي الضيق لتندرج ضمن رؤية أمريكية أشمل لإدارة التوازنات الأمنية وضمان تدفق الطاقة واستقرار الممرات البحرية الحيوية.

ولا يمكن فهم استمرار هذا الدعم دون تفكيك الديناميكيات الداخلية للنظام السياسي الأمريكي، حيث تتداخل السياسة الخارجية بشكل عضوي مع مصالح القوى المحلية. فجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك – AIPAC)، تمتلك نفوذًا هائلًا في أروقة الكونغرس، قادرًا على تشكيل التشريعات وتوجيه التمويل الانتخابي وصياغة الخطاب السياسي السائد. لكن التأثير لا يقتصر على اللوبي التقليدي؛ فهناك قاعدة شعبية واسعة، خاصة في أوساط التيار الإنجيلي المحافظ الذي يرى في دعم إسرائيل واجبًا دينيًا وشرطًا لتحقيق النبوءات التوراتية. هذا التداخل بين المقدس والسياسي يمنح العلاقة عمقًا شعبيًا يصعب على أي سياسي أمريكي تجاهله، بغض النظر عن انتمائه الحزبي.

إلى جانب البعدين الاستراتيجي والداخلي، تلعب السرديات القيمية والتاريخية دورًا محوريًا في تغليّف هذه العلاقة. تحرص الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تقديم إسرائيل كنموذج للديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الحر في محيط يُوصف غالبًا بالتخلف أو الاستبداد، وهو خطاب يهدف لكسب تعاطف الرأي العام الغربي. كما أن ظل المحرقة اليهودية (الهولوكوست) لا يزال يلقي بظلاله على الوعي الجمعي الغربي، مولّدًا شعورًا بالمسؤولية الأخلاقية تجاه ضمان أمن الوجود اليهودي، مما أضفى بعدًا أخلاقيًا على الدعم السياسي والعسكري.

وعلى الصعيد العملي، يتجلى التحالف في شبكات اقتصادية وتكنولوجية متشابكة تجعل الفصل بين المصالح أمرًا مستحيلًا. فالتعاون في مجالات الصناعات الدفاعية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والذكاء الاصطناعي، ليس علاقة مانح ومتلقٍ فحسب، بل هو شراكة مربحة تعود بالنفع على الشركات الأمريكية والجامعات البحثية. جزء كبير من المساعدات العسكرية يعود إلى الاقتصاد الأمريكي عبر صفقات التسليح، مما يحول الدعم إلى دورة اقتصادية ذاتية التعزيز.

غير أن وصف العلاقة بأنها خضوع كامل هو تبسيط مضلل للواقع. فقد شهدت المسار محطات توتر وخلاف جوهري، كما حدث في فترات متعددة مع حكومات إسرائيلية، بما في ذلك الخلافات العلنية مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول ملفات حساسة كملف الاستيطان، أو خطة السلام، أو إدارة الصراع في غزة. والأهم من ذلك، أن واشنطن تسعى حاليًا لبناء تحالفات إقليمية أوسع تشمل دولًا عربية معتدلة، في محاولة لموازنة النفوذ الإيراني، مما يؤكد أن السياسة الأمريكية تقوم على براغماتية مرنة تهدف لحماية مصالحها الوطنية أولاً، وليس على ولاء أعمى لأي طرف.

في المحصلة، يظل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي نموذجًا فريدًا للعلاقات الدولية، حيث تتداخل المصالح القومية مع القناعات الأيديولوجية والضغوط الداخلية. إنه تحالف صُنع عبر عقود من الحسابات الدقيقة، وليس مجرد رد فعل عاطفي. وفهم هذا التعقيد هو المفتاح لاستيعاب لماذا تستمر هذه العلاقة بقوة رغم العواصف الإقليمية والدولية، ولماذا تظل واشنطن مستعدة للدفاع عنها، مع الاحتفاظ دائمًا بحقها في تعديل المسار عندما تتعارض المصالح الأمريكية العليا مع سياسات حليفتها.