المقالات

المقالات

من البندقية إلى السياسة قراءة في مسيرة حزب العمال الكردستاني ونهاية الكفاح المسلح

Hussein Omar
  • 2 مشاهدة view

من الصعب فهم قرار حزب العمال الكردستاني إنهاء الكفاح المسلح ووضع السلاح جانباً بمعزل عن المسار التاريخي والسياسي الذي سبق هذا القرار. فالمشهد الحالي ليس حدثاً منفصلاً، وإنما نتيجة لتحولات امتدت لأكثر من أربعة عقود، شملت تركيا والحركة الكردية والمنطقة والنظام الدولي. ولهذا جاءت ردود الفعل على القرار متباينة. فهناك من يقدمه باعتباره نتيجة للهزيمة العسكرية والضغط الأمني، وهناك من يراه انتصاراً سياسياً للحركة الكردية. غير أن اختزال مسار بهذا التعقيد في ثنائية الانتصار والهزيمة لا يقدم تفسيراً كافياً. فإنهاء الكفاح المسلح لا يعني بالضرورة استسلاماً، كما لا يمكن اعتباره انتصاراً كاملاً لأي طرف. والأدق أنه يمثل نهاية مرحلة من الصراع وبداية مرحلة أخرى، ستتحدد أهميتها وفقاً لما ستنتجه المرحلة السياسية اللاحقة. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: لماذا ظهر حزب العمال الكردستاني أصلاً، ولماذا استمر الصراع المسلح كل هذه العقود، ولماذا أصبح الانتقال إلى السياسة خياراً مطروحاً في هذه المرحلة؟…

NRLS

حسين عمر – كاتب وباحث سياسي

مقدمة: نهاية الكفاح المسلح أم بداية مرحلة جديدة؟

من الصعب فهم قرار حزب العمال الكردستاني إنهاء الكفاح المسلح ووضع السلاح جانباً بمعزل عن المسار التاريخي والسياسي الذي سبق هذا القرار. فالمشهد الحالي ليس حدثاً منفصلاً، وإنما نتيجة لتحولات امتدت لأكثر من أربعة عقود، شملت تركيا والحركة الكردية والمنطقة والنظام الدولي. ولهذا جاءت ردود الفعل على القرار متباينة. فهناك من يقدمه باعتباره نتيجة للهزيمة العسكرية والضغط الأمني، وهناك من يراه انتصاراً سياسياً للحركة الكردية. غير أن اختزال مسار بهذا التعقيد في ثنائية الانتصار والهزيمة لا يقدم تفسيراً كافياً.

فإنهاء الكفاح المسلح لا يعني بالضرورة استسلاماً، كما لا يمكن اعتباره انتصاراً كاملاً لأي طرف. والأدق أنه يمثل نهاية مرحلة من الصراع وبداية مرحلة أخرى، ستتحدد أهميتها وفقاً لما ستنتجه المرحلة السياسية اللاحقة. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: لماذا ظهر حزب العمال الكردستاني أصلاً، ولماذا استمر الصراع المسلح كل هذه العقود، ولماذا أصبح الانتقال إلى السياسة خياراً مطروحاً في هذه المرحلة؟

أولاً: السياق الذي نشأ فيه حزب العمال الكردستاني

لفهم القرار الحالي، لا بد من العودة إلى الظروف التي نشأ فيها حزب العمال الكردستاني في سبعينيات القرن الماضي. كانت تركيا آنذاك تعيش صراعاً سياسياً وأيديولوجياً حاداً، بينما كانت القضية الكردية محاطة بقيود قانونية وسياسية وثقافية واسعة. وكانت الدولة تتعامل مع المطالب المتعلقة بالهوية الكردية واللغة والثقافة بدرجة كبيرة من المنظور الأمني.

في هذه البيئة ظهرت مجموعات من الشباب الكرد المتأثرين باليسار الثوري في ذلك الوقت، وتطورت لاحقاً إلى حزب العمال الكردستاني الذي تأسس في نهاية السبعينيات. وكانت رؤية الحزب في بداياته مختلفة عن رؤيته اللاحقة. فقد تبنى الماركسية اللينينية، وطرح مشروعاً يقوم على إقامة دولة كردية مستقلة، واعتبر الكفاح المسلح وسيلة رئيسية لتحقيق هذا الهدف.

وبالتالي، فإن فهم نشأة الحزب يتطلب وضعه ضمن سياق سياسي واجتماعي شهد صراعاً حاداً بين الدولة والحركات اليسارية والكردية، وليس التعامل معه باعتباره ظاهرة منفصلة عن ظروف تلك المرحلة.

ثانياً: الانقلاب العسكري وبداية مرحلة الكفاح المسلح

شكّل الانقلاب العسكري في تركيا عام 1980 نقطة تحول كبيرة في الحياة السياسية التركية وفي مسار حزب العمال الكردستاني. فقد تعرضت مختلف القوى السياسية لقمع واسع، واعتُقل عدد كبير من كوادر الحركات السياسية، ومن بينهم كوادر الحزب. وشهدت السجون احتجاجات وإضرابات عن الطعام وفعاليات احتجاجية أخرى، تحولت إلى أحد عناصر الذاكرة السياسية للحركة.

في المقابل، دفعت هذه التطورات قيادة الحزب إلى تعزيز نشاطها خارج تركيا، وصولاً إلى إعلان الكفاح المسلح عام 1984. ومنذ ذلك التاريخ دخلت تركيا والحركة الكردية المسلحة في صراع طويل استمر لعقود، وأنتج أعداداً كبيرة من الضحايا، وأدى إلى نزوح سكان من مناطق واسعة، وأحدث آثاراً اجتماعية وسياسية وأمنية لا تزال حاضرة.

ولا يمكن تناول هذه المرحلة من دون الإشارة إلى الانتهاكات التي ارتكبتها مؤسسات الدولة التركية، وفي الوقت نفسه إلى العمليات والانتهاكات التي ارتكبتها الحركة المسلحة خلال مراحل مختلفة من الصراع. فالمقاربة التحليلية لا تحتاج إلى تبرئة طرف أو إدانته بصورة شاملة، بقدر ما تحتاج إلى فهم طبيعة الصراع وكلفته ونتائجه.

ثالثاً: من مشروع الدولة المستقلة إلى مراجعة الرؤية السياسية

يمثل اعتقال عبد الله أوجلان عام 1999 إحدى أهم نقاط التحول في تاريخ الحزب. فخلال المرحلة اللاحقة، بدأت مراجعات فكرية وسياسية داخل الحركة، تراجعت معها تدريجياً مركزية مشروع الدولة القومية الكردية المستقلة، وبرزت بدلاً منها تصورات تتعلق بالديمقراطية والحكم المحلي والحقوق الثقافية والسياسية وإعادة تعريف العلاقة بين الكرد والدولة التركية.

ولا يعني ذلك أن التحول كان مفاجئاً، أو أن جميع مكونات الحركة تبنت بالضرورة الرؤية نفسها في كل المراحل، لكنه يعكس تغيراً واضحاً في الخطاب السياسي والأهداف المعلنة.

كما ارتبط هذا التحول بتغير البيئة الإقليمية والدولية، وبالخبرة التي تراكمت خلال سنوات الصراع، وبإدراك متزايد لصعوبة تحقيق الأهداف السياسية من خلال الحرب وحدها. ومن هذه الزاوية، فإن التحول الفكري للحزب يمثل أحد العوامل التي تساعد في تفسير قرار إنهاء الكفاح المسلح، إلى جانب العوامل العسكرية والسياسية الأخرى.

رابعاً: تغير طبيعة الحرب وأدواتها

لم تعد الحرب التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي هي الحرب نفسها في العقد الحالي. فقد تغيرت التكنولوجيا العسكرية بصورة كبيرة، وأصبحت الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية وأنظمة المراقبة الإلكترونية وتحليل البيانات أدوات أساسية في العمليات الأمنية والعسكرية.

وكانت حرب العصابات تعتمد في مراحلها الأولى بدرجة كبيرة على الجغرافيا والسرية والمفاجأة وصعوبة الوصول إلى المناطق الجبلية. أما اليوم، فقد أصبحت وسائل الرصد والاستطلاع والمراقبة أكثر تطوراً، الأمر الذي جعل استمرار حرب العصابات التقليدية أكثر صعوبة وتكلفة.

لكن تفسير التحول السياسي بالتكنولوجيا وحدها سيكون تبسيطاً للمسألة. فالتكنولوجيا أثرت في القدرة على الاستمرار في العمل المسلح، لكنها لا تفسر وحدها لماذا أصبح الحل السياسي أكثر حضوراً. فهناك أيضاً تغير في رؤية الحركة، وتحولات داخل المجتمع الكردي، وتغيرات في السياسة التركية، وتطورات إقليمية ودولية أعادت تشكيل البيئة التي نشأ فيها الصراع.

خامساً: عندما تغير السؤال من السلاح إلى السياسة

ربما يكون التحول الأهم هو أن السؤال السياسي نفسه تغير. ففي مراحل سابقة كان النقاش يدور حول إمكانية تحقيق الأهداف الكردية من خلال القوة المسلحة، بينما أصبح النقاش في المرحلة الحالية أكثر ارتباطاً بكيفية تحويل المطالب الكردية إلى حقوق سياسية وقانونية ومؤسساتية.

وهذا يعني أن الانتقال من السلاح إلى السياسة ليس مجرد تغيير في الأداة، وإنما يعكس تغيراً في تصور طبيعة الصراع نفسه. فالسلاح وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وليس هدفاً بحد ذاته. وإذا أصبحت الوسائل السياسية أكثر قدرة على تحقيق تلك الأهداف، فإن التخلي عن العمل المسلح يمكن أن يصبح خياراً سياسياً قابلاً للنقاش.

لكن نجاح هذا الانتقال يبقى مشروطاً بوجود مجال سياسي حقيقي يسمح بالتعبير عن المطالب التي كانت جزءاً من الصراع.

سادساً: ماذا حقق الصراع خلال أربعة عقود؟

من الصعب تقديم إجابة تختزل أربعة عقود في النجاح أو الفشل. إذا كان المعيار هو الهدف الذي طرحه الحزب في بداياته، أي إقامة دولة كردية مستقلة، فإن هذا الهدف لم يتحقق. كما أن الحزب لم يتمكن من تحقيق حسم عسكري على الدولة التركية.

لكن في المقابل، لا يمكن اعتبار الصراع بلا أثر سياسي. فالقضية الكردية أصبحت أكثر حضوراً في السياسة التركية، وانتقلت من كونها موضوعاً أمنياً بالدرجة الأولى إلى قضية ترتبط أيضاً بالحقوق السياسية والثقافية والديمقراطية. كما توسعت الحركة السياسية والمدنية الكردية، وأصبح للفاعل السياسي الكردي حضور في البرلمان والبلديات والإعلام والمجتمع المدني.

وفي المقابل، كانت كلفة الصراع مرتفعة جداً. فقد سقط عشرات الآلاف من الضحايا، وتضررت مناطق واسعة، ونزحت أعداد كبيرة من السكان، وتعمقت الانقسامات الاجتماعية والسياسية، واستمرت المقاربة الأمنية في التأثير في الحياة السياسية التركية.

لذلك فإن التقييم الموضوعي يقتضي الاعتراف بالنتائج المتناقضة للصراع: لم يحقق أهدافه الأصلية كاملة، لكنه في الوقت نفسه غيّر البيئة السياسية التي ظهرت فيها القضية الكردية.

سابعاً: لماذا فشلت محاولات السلام السابقة؟

قرار إنهاء الكفاح المسلح ليس أول محاولة للانتقال من الحرب إلى السياسة. فقد شهدت العقود الماضية مبادرات ووقفاً لإطلاق النار واتصالات غير مباشرة ومباشرة ومحاولات تفاوض متعددة. ظهرت مبادرات في تسعينيات القرن الماضي، ثم جاءت مرحلة ما بعد اعتقال أوجلان عام 1999، وتلتها محاولات الانفتاح الكردي، وصولاً إلى عملية السلام التي بدأت بشكل أكثر وضوحاً عام 2013 وانتهت بانهيارها وعودة المواجهة عام 2015.

وكانت أسباب الفشل متعددة. فقد غابت في مراحل معينة الثقة المتبادلة، ولم تتوافر ضمانات قانونية ومؤسساتية كافية، كما أثرت التطورات السياسية الداخلية في تركيا، والحرب السورية، والتحولات الإقليمية، والحسابات الحزبية في مسار العملية.

كما بقيت بعض مراحل السلام مرتبطة بدرجة كبيرة بإرادة الحكومة أو القيادة السياسية القائمة، بدلاً من تحويلها إلى مسار مؤسساتي مستقر.

وهنا يكمن أحد الدروس الأساسية: وقف القتال لا يساوي بالضرورة سلاماً مستداماً. فالسلام يحتاج إلى إطار قانوني، وضمانات، وخطوات متبادلة، وآليات واضحة لتنفيذ الالتزامات.

ثامناً: هل ينهي وضع السلاح القضية الكردية؟

الإجابة ببساطة: لا. فالقضية الكردية لا تختزل في حزب العمال الكردستاني، كما لا تختزل في الكفاح المسلح. وهي تتعلق بمجموعة واسعة من المسائل، بينها الهوية واللغة والثقافة والمواطنة والحقوق السياسية والحريات والمساواة.

وبالتالي، فإن إنهاء العمل المسلح يعني انتهاء وسيلة من وسائل الصراع، لكنه لا يحسم تلقائياً القضايا السياسية التي ارتبطت به.

وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة. فإذا أصبح المجال السياسي مفتوحاً أمام القوى الكردية، وتمكن الأكراد من التعبير عن مطالبهم من خلال الأحزاب والانتخابات والمؤسسات، فإن الانتقال من السلاح إلى السياسة يمكن أن يفتح مساراً مختلفاً. أما إذا بقيت القضايا السياسية دون معالجة، فإن انتهاء العمل المسلح لن يكون كافياً وحده لحل المشكلة.

تاسعاً: منطق الحرب ومنطق السياسة

يمثل الانتقال من العمل المسلح إلى السياسة تحدياً كبيراً، لأن منطق الحرب يختلف جذرياً عن منطق العمل السياسي. ففي الحرب تفرض السرية والانضباط والمواجهة الثنائية نفسها على التنظيم، بينما تقوم السياسة على التعددية والاختلاف والتفاوض وتغيير التحالفات وقبول المنافسة.

وهذا يعني أن الانتقال الحقيقي لا يتعلق فقط بتفكيك البنية المسلحة، وإنما أيضاً بإعادة بناء الثقافة التنظيمية والسياسية. فالفاعل السياسي يحتاج إلى التعامل مع الاختلاف باعتباره جزءاً من العملية الديمقراطية، وليس تهديداً لها.

كما أن القوى الكردية نفسها قد تختلف حول شكل الحل ومستقبله، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع سياسي متعدد الاتجاهات. ومن هنا، فإن المرحلة الجديدة تتطلب قدرة على تحويل الخبرة التنظيمية المتراكمة خلال عقود الصراع إلى خبرة سياسية ومؤسساتية ومدنية.

عاشراً: مسؤولية تركيا في المرحلة الجديدة

إذا كان المطلوب من حزب العمال الكردستاني إنهاء الكفاح المسلح واعتماد السياسة، فإن نجاح هذا المسار يتطلب أيضاً تحولاً في مقاربة الدولة التركية. فلا يمكن أن يكون المسار قائماً على معادلة: التخلي عن السلاح أولاً، ثم النظر لاحقاً في القضايا السياسية.

مثل هذه المقاربة قد تؤدي إلى توقف القتال، لكنها لا توفر بالضرورة شروط السلام المستدام. فالانتقال إلى السياسة يحتاج إلى بيئة قانونية وسياسية تسمح بالمشاركة، وإلى ضمانات تتعلق بالحريات والعمل الحزبي والتمثيل السياسي والحقوق الثقافية.

وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة ستختبر ليس فقط التزام الحركة بإنهاء العمل المسلح، وإنما أيضاً قدرة الدولة التركية على الانتقال من إدارة الملف الكردي من منظور أمني إلى التعامل معه كجزء من قضية سياسية وديمقراطية.

الحادي عشر: من الجبل إلى المجتمع

يمكن اختصار التحول الجاري بتعبير: من الجبل إلى المجتمع.

في مرحلة الحرب كان السلاح والمقاتل والتنظيم السري في مركز المشهد. أما في المرحلة السياسية، فإن مركز الثقل ينتقل إلى المجتمع والمؤسسات. الناخب يصبح أهم من المقاتل، والحزب السياسي أهم من التنظيم السري، والقانون يصبح الأداة الأساسية للصراع السياسي، والإعلام والمجتمع المدني يصبحان جزءاً من أدوات التأثير.

وإذا نجح هذا التحول، فقد تتغير طبيعة القضية الكردية في المجال العام، بحيث تصبح المطالب الكردية جزءاً من النقاش الديمقراطي والمؤسساتي، بدلاً من بقائها مرتبطة بصورة أساسية بالصراع الأمني.

لكن ذلك يتطلب وجود مؤسسات سياسية قادرة على استيعاب هذا التحول، ومساحة فعلية للمشاركة السياسية.

الثاني عشر: أربعة عقود بين الكلفة والتحولات

هل كانت أربعة عقود من الحرب بلا نتيجة؟ لا يمكن الإجابة بنعم أو لا. لم يتحقق المشروع الذي طرحه الحزب في بداياته، ولم تؤد الحرب إلى حسم عسكري. وفي الوقت نفسه، لم تمر العقود الأربعة دون تأثيرات سياسية عميقة.

لقد تغير موقع القضية الكردية داخل السياسة التركية، وتطورت الحركة السياسية والمدنية الكردية، وتغير خطاب الحزب نفسه، كما تغيرت نظرة قطاعات من المجتمع التركي إلى المسألة الكردية.

لكن هذه التحولات جاءت بكلفة بشرية واجتماعية وسياسية كبيرة. لذلك فإن القراءة الأكثر توازناً هي أن الصراع حقق بعض النتائج غير المباشرة، لكنه لم يحقق أهدافه الأصلية كاملة، ودفع في الوقت نفسه ثمناً بشرياً وسياسياً كبيراً.

الثالث عشر: هل يمثل القرار هزيمة أم مراجعة؟

من الصعب وضع قرار إنهاء الكفاح المسلح في خانة واحدة. فمن الناحية العسكرية، لا يمكن تجاهل التطور الكبير في قدرات الدولة التركية، ولا صعوبة استمرار حرب العصابات في البيئة التكنولوجية والعسكرية الحالية.

ومن الناحية السياسية والفكرية، لا يمكن تجاهل المراجعات التي مرت بها الحركة خلال العقود الماضية. ومن الناحية الإقليمية، تغيرت البيئة التي ظهر فيها الصراع بصورة كبيرة، خصوصاً بعد الحرب في سوريا والتحولات التي شهدتها المنطقة.

لذلك يمكن قراءة القرار بوصفه نتيجة تفاعل بين عوامل عسكرية وسياسية وفكرية وإقليمية، وليس باعتباره نتيجة عامل واحد.

الرابع عشر: الاختبار الحقيقي يبدأ بعد السلاح

من السهل نسبياً إعلان نهاية الحرب، لكن الأصعب هو بناء السلام. ومن السهل وضع السلاح جانباً، لكن الأصعب هو بناء الثقة. ومن السهل الحديث عن الديمقراطية، لكن الأصعب هو تحويلها إلى مؤسسات وقواعد مستقرة.

ولهذا فإن نجاح المرحلة الجديدة سيقاس بما سيحدث بعد قرار إنهاء الكفاح المسلح: هل ستتوسع مساحة العمل السياسي؟ هل ستتوافر ضمانات قانونية؟ هل ستتم معالجة قضايا الهوية واللغة والثقافة؟ هل سيتمكن السياسيون الأكراد من العمل بحرية؟ هل ستقبل الدولة التركية بالتعددية السياسية والثقافية؟ وهل تستطيع الأطراف المختلفة منع العودة إلى العنف؟

هذه الأسئلة أهم من الجدل حول تسمية القرار انتصاراً أو هزيمة.

الخامس عشر: من البندقية إلى السياسة

العالم الذي بدأت فيه الحرب لم يعد موجوداً. فتركيا اليوم ليست تركيا سبعينيات القرن الماضي، والمجتمع الكردي تغير، والمنطقة تغيرت، وأدوات الحرب نفسها تغيرت.

ولهذا فإن الانتقال من العمل المسلح إلى العمل السياسي يمكن أن يكون متناسباً مع التحولات التي شهدتها المنطقة، شرط ألا يبقى مجرد تغيير في الوسيلة، بل يتحول إلى مسار سياسي قادر على معالجة القضايا التي شكلت أحد جذور الصراع.

فالسياسة تستطيع أن تنقل المطالب من الجبال إلى المؤسسات، ومن المواجهة إلى التفاوض، ومن العمل السري إلى العمل العلني. لكن هذا الانتقال لا ينجح بمجرد التخلي عن السلاح. إنه يحتاج إلى قوانين، وضمانات، ومؤسسات، وتعددية سياسية، وإرادة متبادلة لمنع العودة إلى الصراع.

خاتمة: نهاية وسيلة لا نهاية قضية

في المحصلة، شكّل حزب العمال الكردستاني خلال العقود الماضية أحد أهم الفاعلين في مسار الصراع الكردي التركي، وكان لوجوده المسلح تأثير واضح في تطور القضية الكردية وفي السياسات التركية تجاهها.

لكن هذا الدور لا يمكن تقييمه بمعزل عن النتائج المتناقضة التي خلفها الصراع: فالأهداف التي طُرحت في بدايات الحزب لم تتحقق، بينما أصبحت القضية الكردية أكثر حضوراً في السياسة التركية، وتطورت في الوقت نفسه قوى سياسية ومدنية كردية متعددة.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الانتقال من النضال المسلح إلى النضال السياسي باعتباره نتيجة لتحولات تراكمية في الحركة والمجتمع والدولة والبيئة الإقليمية والدولية.

إن إنهاء الكفاح المسلح لا يعني انتهاء القضية الكردية، كما لا يعني تلقائياً نجاح عملية السلام. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد السلاح: هل ستُفتح مساحة سياسية حقيقية؟ وهل ستتحول المطالب الكردية إلى حقوق قانونية ومؤسساتية؟ وهل تستطيع تركيا الانتقال من المقاربة الأمنية إلى مقاربة سياسية وديمقراطية؟ وهل تستطيع القوى الكردية إدارة اختلافاتها ضمن إطار سياسي تعددي؟

وبذلك فإن السؤال الأهم ليس: من انتصر ومن هُزم؟

بل: هل تستطيع المرحلة الجديدة معالجة الأسباب السياسية التي ساهمت في إنتاج الصراع، وتحويل التنافس من المجال العسكري إلى المجال السياسي والمؤسساتي؟

إذا تحقق ذلك، فإن الانتقال من البندقية إلى السياسة يمكن أن يمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ الصراع الكردي التركي. أما إذا بقيت الأسباب السياسية دون معالجة، فإن وضع السلاح، مهما كانت أهميته، لن يكون كافياً وحده لإغلاق صفحة امتدت لأكثر من أربعة عقود.

فالقضية الكردية أوسع من حزب، وأوسع من تنظيم مسلح، وأوسع من مرحلة تاريخية محددة. وما يتغير اليوم هو إحدى أدوات التعبير عن هذه القضية، بينما يبقى مستقبلها مرتبطاً بقدرة السياسة على إنتاج حلول ديمقراطية وقانونية ومستدامة.