من فوهة البندقية إلى صمود الهوية: نحو مراجعة تاريخية للمسار الكردي
- مقالات سياسية
- 02 فبراير 2026
-
17 مشاهدة
على مدار عقود، ارتبطت القضية الكردية في أذهان العالم بصورة المقاتل المتشبث بقمم الجبال، حيث كانت البندقية هي اللغة الوحيدة التي يُعتقد أنها قادرة على انتزاع الحقوق المسلوبة. لكن القراءة المتأنية لمآلات الصراع في “روجهلات” و”باكور” والتجربة القاسية في “روژآفا”، تشير إلى أننا أمام منعطف تاريخي يفرض علينا الاعتراف بمرارة الحقيقة؛ وهي أن خيار فرض الحقوق بالسلاح قد وصل إلى طريق مسدود في مواجهة اختلال هائل في موازين القوى. لقد أثبتت التجربة أن الآلة العسكرية الكردية، مهما بلغت جسارتها، تجد نفسها اليوم في مواجهة جيوش نظامية تستخدم التكنولوجيا الفائقة والدرونات القاتلة، مدعومة بذهنية وحشية للأكثريات الحاكمة التي لا تتورع عن تدمير الحجر والبشر للحفاظ على هيمنتها القومية.ومع انعدام أفق التحول الديمقراطي في هذه الدول الثلاث، يبرز السؤال الوجودي الكبير حول ماهية العمل في ظل هذا الإعجاز السياسي. إن الواقعية تقتضي الإقرار بأن الرهان على “النظريات الجاهزة” المستوردة والآيديولوجيات التي لا تشبه بنية المجتمع الكردي لم يؤدِّ إلا إلى استنزاف القوى وتشتيت الحاضنة الشعبية. لذا، يبرز اليوم خيار “المقاومة الوجودية” كبديل حتمي لمواجهة خطر الاندماج القسري والذوبان الثقافي. إنها استراتيجية تعتمد على تحويل اللغة والتراث والفن إلى خطوط دفاع أولى، وجعل الهوية الثقافية عصية على الاختراق، والارتباط بالأرض ليس فقط كحيز جغرافي، بل كفعل سياسي قوامه الثبات ومنع التغيير الديموغرافي.وفي صلب هذه الاستراتيجية، تبرز “القوة الحيوية” المتمثلة في زيادة الكتلة البشرية وتحصين الأجيال القادمة بتربية قومية واعية، تربط الطفل بجذوره قبل أن تبتلعه المناهج التعليمية للدول المركزية. إن بناء إنسان كردي متمسك بهويته، ومنظم اجتماعياً وسياسياً ضمن مؤسسات ذاتية، هو الكفيل بخلق مجتمع عصي على الانكسار بانتظار نضوج الظروف الدولية. وهنا يبرز شعار “لا شيء أثمن من الاستقلال والحرية” ليس كدعوة للحرب الفورية، بل كقيمة عليا تُزرع في الوعي الجمعي لتكون البوصلة التي تحمي “النواة القومية” من التآكل تحت وطأة الهزائم العسكرية العابرة.ولا تكتمل هذه الرؤية دون تفعيل دور الشتات الكردي في الخارج، الذي يمثل الجناح الدولي والعمق الاستراتيجي للقضية. فبينما يواجه الداخل خناق الأنظمة، يمتلك الكرد في المغترب مساحات للحركة تتيح لهم التحول إلى “سفراء قضية” وقوة ضغط أكاديمية ودبلوماسية. إن تدوين التاريخ الكردي باللغات العالمية، وكشف وحشية الأنظمة في المحافل الدولية، ودعم “اقتصاديات الصمود” في الداخل، يخلق نوعاً من التكامل المصيري بين “القلب” النابض في كردستان و”الرئة” التي تتنفس في الخارج. إن المعركة اليوم هي معركة وعي وصبر استراتيجي؛ فإذا كانت الدرونات قد هزمت المتراس، فإنها لن تهزم لغة تُحكى في البيوت، أو انتماءً يترسخ في قلوب الأطفال، بانتظار اللحظة التي يفتح فيها التاريخ أبوابه لمن حافظ على وجوده وجوهر هويته.
