المقالات

المقالات

هل انتهى زمن الثورات في عالم يُدار بمنطق «الابتلاع»؟

Hussein Omar
  • 3 مشاهدة view

حسين عمر

حسين عمر

12 May 2026

شارك:

قليلٌ من الثورات يبلغ شاطئ الأمان، رغم ما تحمله من وعودٍ كبرى للجماهير بأفقٍ من الأمل. أما الغالبية، فتتعثر في مراحل متعددة من مسيرتها، لتتحول الوعود إلى خيباتٍ متراكمة. فبعضها يمتد لعقود، ينتقل من طور الكفاح الشعبي، بشقّيه السياسي والعسكري، إلى الوصول إلى سدة الحكم، بينما يبقى بعضها الآخر عالقاً لأكثر من نصف قرن دون أن ينجز هدفه في إقامة الدولة. في حين تنطفئ ثورات أخرى بعد زمنٍ قصير من انطلاقتها، تاركة خلفها أنقاضاً لأحلامٍ مؤجلة أو مُجهضة، كما حدث في ثورات الربيع العربي، وكومونة باريس، وفي تجارب الربيع الكردي والإيراني.

وعند النظر إلى الخريطة السياسية للعالم منذ سبعينيات القرن الماضي، ولا سيما في سياق حركات التحرر الوطني، يمكن ملاحظة ما وصفه بعض علماء الاجتماع بانتقالٍ نظري من «مرحلة الثورة» إلى «مرحلة الدولة»، بما حمله ذلك من رهاناتٍ كبرى على اكتمال مسار التغيير. غير أن الحصيلة، في كثير من الحالات، كانت شعوراً واسعاً بخيبة الأمل لدى الجماهير إزاء الوعود التي لم تتحقق.

يُخبرنا التاريخ أن الثورات، في مراحل سابقة، استطاعت في حالاتٍ عديدة أن تحرّر أوطانها وتؤسس أنظمتها أو إداراتها الاجتماعية الخاصة. فقد كان العالم، آنذاك، أكثر قابليةً لاحتضان الصوت الثوري المسلح، وأقل انغلاقاً أمام دينامياته. غير أنّ معظم الحركات اللاحقة وجدت نفسها تتعثر أو تتبدد داخل تعقيدات السياسة الدولية، سواء في أدغال أمريكا اللاتينية، أو سهول إفريقيا، أو جبال آسيا.

شروط الانتصار: من «الذاتي» إلى «الموضوعي»

لا تتحقق الثورة بمجرد إرادة التغيير أو شجاعة المواجهة، بل تخضع لشروطٍ قاسية ومعقدة. ففي المرحلة التاريخية السابقة على التحولات المعاصرة، كان العامل «الذاتي» وفق التصور اللينيني الماركسي، بما يشمله من تنظيم صارم، وعقيدة أيديولوجية صلبة، وطليعة ثورية واعية، يمثّل عنصر الحسم في ترجيح كفة الانتصار.

في تلك السياقات، امتلك المقاتل الثوري الطليعي قدرةً أكبر على المبادرة والمناورة، لأن البنية الرأسمالية العالمية لم تكن قد بلغت بعدُ مستوياتها المتقدمة من السيطرة التقنية والأمنية. فقد كانت أدوات الضبط والمراقبة أقل شمولاً، ولم تكن ما يُعرف اليوم بـ«الرأسمالية المراقِبة» وأجهزتها قد أحكمت قبضتها على الفضاء الاجتماعي والجغرافي.

بمعنى آخر، كانت هناك مساحات أوسع للفعل المقاوم: للتحرك، والتنظيم، والمباغتة، وإعادة تشكيل موازين القوة، وهو ما جعل شروط الصراع أقل اختلالًا مما هي عليه في السياق المعاصر.

أما اليوم، ومع صعود الحداثة الرأسمالية في طورها الأكثر شراسة وتوحشاً، وتفكك المنظومة الدولية التي كانت إلى حد ما تضبط توازنات القوى وتوفر هامشاً للحركات الثورية (كما في تجربة الكتلة الشرقية سابقاً)، فقد تراجعت مركزية العامل الذاتي في تفسير نجاح الثورات. لم يعد الإيمان بالقضية، ولا حتى الصلابة التنظيمية أو العقيدة السياسية وحدها، كافية لإحداث التحول أو إسقاط الأنظمة؛ بل باتت هذه العناصر، في كثير من السياقات، شروطاً ضرورية لكنها غير حاسمة، أمام ثقل الشروط الموضوعية وتشابك التدخلات الخارجية.

ففي الزمن الراهن، لا يكاد يُطلق فعلٌ مسلح في منطقة هامشية أو جبلية إلا ويُعاد إنتاجه فوراً داخل شبكات الرصد والتحليل الدولية. ولم تعد أي حركة ثورية قادرة على العمل في فراغ سيادي أو جغرافي مستقل، إذ باتت كل دينامية محلية قابلة للترجمة الفورية داخل «النظام العالمي» بما يحمله من أجهزة مراقبة، وآليات احتواء، وأدوات توجيه غير مباشرة.

بمعنى آخر، لم تعد الثورة تتحرك خارج «السيستم»، بل داخل حقوله المفتوحة والمغلقة في آنٍ معاً؛ حيث تُراقَب، وتُفسَّر، وأحيانًا تُعاد صياغتها قبل أن تكتمل شروط فعلها.

انكسارات الحلم: من كولومبيا إلى إفريقيا

في أمريكا اللاتينية، خمدت العديد من الثورات التي كانت يوماً حاضرة بقوة في الوعي السياسي والرمزي. ولعل تجربة «الفارك» في كولومبيا تُعد من أبرز الأمثلة، إذ انتهت إلى التخلي عن السلاح بعد عقود من الكفاح، دون أن تحقق الحد الأدنى من أهدافها الراديكالية التي شكلت أساس مشروعها السياسي. وقد جاء هذا التحول نتيجة إدراك متزايد بأن الاستمرار في الحرب الغابوية بات شكلاً من الاستنزاف المفتوح، في ظل اختلال عميق في موازين القوى على المستوى الدولي والإقليمي.

أما في القارة الإفريقية، فقد انتهى، إلى حدّ كبير، زمن الثورات المسلحة الكلاسيكية بوصفها طريقاً مباشراً للتغيير. وتبرز تجربة نيلسون مانديلا كنموذج فارق، حيث تحقق التحول التاريخي في جنوب إفريقيا عبر مزيج من النضال السلمي والسياسي والاجتماعي، بعد أن أثبت الكفاح المسلح محدوديته أمام نظام فصل عنصري مدعوم دولياً ومحصّن ببنى قوة معقدة. وقد أظهرت التجربة الإفريقية أن العنف الثوري، في غياب شروطه الموضوعية، قد يتحول من أداة للتغيير إلى عبء سياسي وأخلاقي واستراتيجي.

أما في كردستان، فلا تزال تجربة حزب العمال الكردستاني تمثل محاولة مستمرة لاختبار إمكانية الفعل الثوري في شروط العصر الراهن. غير أن الملاحَظ هو انتقال تدريجي في الخطاب السياسي للحزب، تجلّى في إعادة صياغة بعض المفاهيم الأساسية وتعديل الرؤية النهائية للحل، بما في ذلك الانتقال من هدف الدولة القومية إلى تصورات بديلة مثل «الأمة الديمقراطية»، في محاولة للتكيف مع تحولات البيئة الإقليمية والدولية.

ومع ذلك، يبقى هذا المسار محفوفاً بالتعقيد، إذ إن بنى «الرأسمالية المتوحشة» وآلياتها السياسية والأمنية لا تتيح بسهولة نشوء نماذج خارج منطقها أو على هامشه، بل تعمل باستمرار على احتوائها أو إعادة دمجها ضمن حدودها الممكنة.

تفكيك التضامن وإنتاج الفرادينة

المرحلة الراهنة تبدو مختلفة جذرياً عن زمن غيفارا أو هوشي منه، حين كانت الثورات تتحرك ضمن عالمٍ منقسم بوضوح، تتقاطع فيه المعسكرات الإيديولوجية وتتشكل فيه مراكز دعم وإسناد لحركات التحرر. اليوم، نحن أمام نظام عالمي أكثر تشابكاً، تتصارع فيه القوى الإمبريالية على المكشوف، لكن ليس فقط عبر الحروب التقليدية، بل أيضاً عبر الصفقات، وإعادة توزيع النفوذ، والسيطرة على الممرات اللوجستية والتقنيات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تراجعت فكرة «الحليف الدولي الثوري» كمعطى شبه ثابت، لصالح منطق المصالح المتحركة والتحالفات المؤقتة.

الأخطر من ذلك يتمثل في التحول الذي أصاب البنية الاجتماعية ذاتها. فقد نجحت ديناميات الاقتصاد الرأسمالي في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بحيث أصبح الإنسان المعاصر محكوماً بهاجس البقاء اليومي: تأمين الدخل، مواجهة الغلاء، والتكيف مع الأزمات الاقتصادية المتلاحقة. وفق هذا المنحى، تراجع البعد الأممي للتضامن مع قضايا «الآخر المضطهد»، لصالح نزعة فردانية تبحث عن «الخلاص الشخصي». وبهذا المعنى، لم يعد الخوف من الثورة مرتبطاً بالقمع وحده، بل أيضاً بما قد تخلقه من تهديد مباشر للاستقرار الهش للفرد، وهو ما يشكل أحد أبرز التحولات في علاقة المجتمعات بفكرة التغيير الجذري.

الثورة كاحتمال لا كيقين

لذا، يمكن النظر إلى الثورة بوصفها محاولة تاريخية، لا يقيناً ناجزاً. فهي فعلٌ تقوده طليعة سياسية واجتماعية تسعى إلى ترجمة تطلعات الشعوب نحو الحرية والمساواة، لكنها تظل، في الجوهر، مفتوحة على احتمالات متباينة: النجاح، التعثر، أو حتى الانحراف عن المسار الأصلي. التاريخ نفسه لا يمنح ضمانات، بل يراكم تجارب متناقضة في هذا المجال.

في السياق الكردي تحديداً، كثيراً ما تُستعاد ثورات وشخصيات مثل القاضي محمد، وسيد رضا، ونوري باشا، وسمكو شكاك بوصفها رموزاً كفاحية عالية القيمة الرمزية. غير أن تقييمها من زاوية النتائج السياسية الصلبة يكشف أنها لم تصل إلى تحقيق أهدافها التأسيسية، سواء على مستوى الدولة أو الاستقلال أو إعادة تشكيل البنية السياسية القائمة. وقد رافق فشل هذه المحاولات ثمنٌ بشري وسياسي باهظ، تمثل في المجازر والتهجير وإعادة إنتاج العنف ضد المجتمعات المحلية.

ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا المسار المتكرر من الإخفاق إلى توقف دينامية الفعل الثوري. بل على العكس، ظل هناك نوع من الاستمرارية التي تتغذى على غريزة الرفض والبقاء، وعلى تراكم الذاكرة الجمعية للظلم. بهذا المعنى، لا يبدو أن الثورة تُغلق تاريخها بسهولة، بل تعيد إنتاج نفسها بأشكال وصيغ مختلفة، حتى في أكثر البيئات صعوبة وتعقيداً.

زمن القوى الكبرى والابتلاع العالمي

إن المرحلة التي نعيشها اليوم تبدو مرحلة «الابتلاع» بامتياز؛ حيث يتصاعد صراع محموم بين القوى الكبرى: الولايات المتحدة، الصين، اليابان، روسيا، وأوروبا، في نظام دولي لا يمنح هامشاً حقيقياً للكيانات الصغيرة أو الحركات الثورية التي تفتقر إلى سند دولي فعّال. تتحرك الاستراتيجية العالمية الراهنة باتجاه امتصاص أي زخم ثوري محتمل، وإعادة توجيهه داخل مسارات داخلية أو صيغ تفاوضية واقتصادية. وفي ظل هذا «الابتلاع»، يغدو الكفاح المسلح التقليدي أشبه بمحاولة مواجهة إعصار بأداة واهنة. فطبيعة الصراع نفسها تغيرت، إذ باتت السيطرة على العقول والأسواق وتدفقات البيانات تسبق في أهميتها السيطرة على الأرض.

تجربة كردستان: نحو نضالات متعددة الأدوات

وعليه، يُطرح السؤال مجدداً: هل انتهى زمن الثورات المسلحة؟ ربما انتهى بصيغته الكلاسيكية، لكن «روح الثورة»، بوصفها فعل رفضٍ للاضطهاد، ما تزال حاضرة، وإن كانت تبحث عن مسارات جديدة، أكثر تعقيداً، وأقل كلفة دموية، وأكثر قدرة على التكيف مع عالم لا يعترف إلا بمنطق القوة والمصلحة.

وفق هذا المنظور، يبرز عبد الله أوجلان، من داخل معتقله في جزيرة إمرالي، بوصفه من بين من أعادوا التفكير في أدوات النضال الثوري داخل التجربة الكردستانية. فقد دعا إلى مراجعة شاملة لمسار الحركة، وصولًا إلى قناعة بأن الاستمرار في النهج المسلح التقليدي لم يعد كفيلاً بتحقيق الأهداف، وأن فرص التغيير قد تكون أكبر عبر النضال السلمي الديمقراطي، والضغط الشعبي المستمر، والعمل من داخل مؤسسات الدول القائمة في كردستان، بهدف إعادة تشكيل الواقع السياسي بما يضمن حقوق الشعب الكردي.

وقد أثارت هذه الرؤية انقساماً واضحاً؛ إذ يرفضها جزء من المجتمع الكردي نتيجة انعدام الثقة بالبنى الحاكمة ومؤسساتها، بينما يتعامل معها آخرون كخيار واقعي في ظل انسداد الأفق العسكري، رغم استمرار الشكوك حول إمكانية العمل الفعّال ضمن أنظمة سياسية متشددة.

في المحصلة، لم تعد القدرات العسكرية التقليدية للمقاتل الثوري تمثل عنصر حسم في مواجهة الطائرات المسيّرة، والأجهزة الاستخبارية، وتقنيات المراقبة الحديثة. حتى الجغرافيا الوعرة، من جبال وأنفاق، فقدت كثيراً من وظيفتها السابقة كملاذ آمن. لذلك يبدو أن مسار النضال يتجه نحو أشكال متعددة الأدوات، تتراجع فيها مركزية الكفاح المسلح لصالح أنماط أكثر تركيباً ومرونة.