المقالات

المقالات

                        حرب غزة تكشف حقيقة الصراع الإيراني الامريكي

Hussein Omar
  • 151 مشاهدة view

يجري الحديث بين الأوساط المهتمة بالشأن الدولي حول تأثير الحرب الجارية بين إسرائيل وحماس، يتوقع العديد منهم على انها ستكون علامة فارقة وستجر ارتداداتها المنطقة الى مفترق اخر. كما ان البعض منهم يرى بان الحرب لن تبقى ضمن حدود غزة بل ستكون هناك حرب شاملة تقودها إيران وارتباطاتها الإقليمية من الحوثيين وحزب الله والجماعات المسلحة العراقية، دون استبعاد زج النظام السوري لتشتعل كل الجبهات بين إيران وامريكا. وهو ما كان وما زال قادة حماس يروجون له. لكن ذلك التوقع او التمني أصبح لدى البعض وخاصة قادة حماس حلما لم ولن يتحقق سيبقى لوحده في المعركة.

أصحاب هذه الرؤية بنوا رؤيتهم وشيدوا توقعاتهم على نتيجة لم تثبت الفرضية صحتها حتى اللحظة الا وهي وجود عداوة استراتيجية بين الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الإسلامية الايرانية وبناءا على تلك القناعة رسموا سيناريوهات عدة لحرب إقليمية تشترك فيها قوى ودول عديدة إقليمية ودولية.

كانت هذه الرؤية هي الأكثر انتشارا في بداية الحرب على غزة.

ماهي احتمالات وقوع حرب أمريكية إيرانية؟

بالرجوع قليلا الى الماضي وبالتحديد بعد قيام الثورة الإيرانية ضد الشاه ، الحليف الوفي لبريطانيا وامريكا، عملت أجهزة الاستخبارات الغربية  بالتنسيق الكامل مع الحكومة الفرنسية حينها  ومع قوى إقليمية في سبيل تغيير مسارها الثورة التقدمي وخطف القيادة من القوى السياسية التي كانت ترغب في اسقاط النظام الاستبدادي للشاه والانتقال الى دولة الحقوق والقانون يحصل فيها الكرد والإزرين  والعرب والبلوش على حقوقهم، وتأسيس سلطة ديمقراطية تعددية لامركزية، ويكون الدين لله والوطن للجميع، ولكي لا تتحقق اهداف الشعوب الإيرانية المشروعة تلك، هيأت فرنسا بالتنسيق مع حلفاءها رجال الدين  الإيرانيين المتواجدين على أراضيها لنقلهم بطائرة خاصة الى مطار طهران الدولي في لحظة مفصلية ، تم اختيارها بعناية ودراسة فائقة، لحظة بداية انهيار سلطة الشاه وارتباك قادة الثورة ليظهر على بوابتها ما سمي بقائد الثورة ، الولي الفقيه مع اندفع المئات لا بل الألاف من اللذين كانوا ينتظرون لحظة الانعتاق من حكم الشاه( لن اخوض هنا في تفاصيل ما جرى هناك) مع العلم بأن تفاصيل كتلك يحتاجها الكثير منا لمعرفة كيفية وصول الخميني الى سدة الحكم ، ارادت الولايات المتحدة من ذلك ان تبقي  طهران رهينة الاستبداد الديني هذه المرة، وهي كانت على دراية تامة بان السلطة الدينية او ولاية الفقيه ستكون على خلاف وصراع مع الدول الأخرى في المنطقة وهو ما سيكون اهم عاملا في سبيل التجاء الدول لتبقى في المنطقة وتحقق أهدافها الاستراتيجية في سبيل إبقاء دول المنطقة في صراع هامش وخوف مستمر مع جارتها الشرقية بدل الاستعداد والتعامل مع عدوانية جارتها الغربية التي تقضم الأراضي وتضطهد الشعب الفلسطيني وترفض اية حلول سياسية لابل ترفض تطبيق القرارات الدولية العديدة حول إسرائيل وفلسطين.

ومن جهة أخرى كان واضحا بان القيادة الدينية الإيرانية لن تقيم علاقات قوية مع الاتحاد السوفيتي، على الأقل في بدايات حكمها بسبب الموقف المتشكك الذي ابدته السوفييت حينها، الذين كانوا يدعمون الأطراف الشيوعية واليسارية المنخرطة في الثورة، لهذا ارسال الخميني خيب امال الدول الجارة لإيران أيضا وخاصة المطلة على الخليج والتي كانت تتأمل ان يكون البديل الإيراني نظام منفتح على الحوار مع جيرانه.

لم يكن النظام الجديد في إيران نظام قوموديني فارسي فقط وانما أسس للتراتبية دينية طائفية جديدة في المنطقة وتحولت إيران الى دولة فارسية القومية وشيعة المذهب لا بل أصبح الدستور الذي قاد المجتمع الإيراني هو دستور ديني مبني على ولاية الفقيه الذي يقود الدولة والمجتمع كحاكم مطلق الصلاحيات لا يختلف في الجوهر عن الشاه السابق في سلطة وصلاحيات إدارة الدولة.

(لقد تعمدت في الاطالة قليلا في تبيان كيفية وصول آيات الله الى سدة الحكم في إيران وبدعم غربي واضح من اجل اهداف استراتيجية طويلة المدى وهو ما تحقق ويتحقق الآن) لهذا استبعاد عداوة استراتيجية بين الغرب وسلطة ولاية الفقيه في إيران هو الأرجح.

وجود السلطة الحالية في إيران يعطي لأمريكا مبررات وجودها العسكري في المنطقة والعكس صحيح، كما ان النهج الرافض للمختلف دفعت حكومات الجارة لإيران الى الاحتماء بالغرب وخاصة أمريكا، مما أدى الى نشوء خلافات عميقة بين معظم دول المنطقة وإيران وقد كان للولايات المتحدة دور كبير في تغذيتها.

لقد رفعت إيران راية معادات إسرائيل كي تكسب ود شعوب المنطقة التي غذتها الدعاية القوموية الناصرية والبعثية والمطالبة بتحرير القدس، رفعت السلطات الإيرانية تلك الراية وكسبت تعاطف الكثير من مواطني دول المنطقة والمسلمين لا بل جندت الالاف منهم لتحقيق أهدافها في المنطقة والعالم.

(العداوة) الإيرانية لأمريكا لم تكن حافزا تمنع الأخيرة، إيران من الاستيلاء على بغداد حين احتلت العراق، قد يتساءل البعض لماذا؟ يمكن سرد العديد من الحجج التي تدل ظاهريا على عجز الولايات المتحدة، مع ان الحقيقة التي يعلمها الجميع تفند تلك الحجج على الرغم من معقوليتها ، لو رغبت  الولايات المتحدة تشكيل عراق بعيد عن الهيمنة الإيرانية لاستطاعت ، لكنها لم تفعل بل مع سماحها لتغلغل النفوذ والهيمنة الإيرانية على كامل الأراضي العراقية وسلطتها السياسية قامت بدعم تشكيل الحشد الشعبي بحجة ضعف قوة الجيش العراقي الذي تم تأسيسه من جديد وخلقت قوة رديفة لتقاتل داعش ، هكذا بررت سبب تشكيلها للحشد، مع ان  القادة الامريكيون الذين اشرفوا على تشكيل القوة الرديفة كانوا يعلمون بان تلك القوة ستكون الذراع الإيراني الأقوى على الساحة العراقية في المستقل وهو ما حصل.

بالعودة الى حرب غزة التي يدفع الشعب الفلسطيني ثمنها لوحده دون ان تخرج الحرب من الرقعة الجغرافية التي لا تتعدى عدة كيلومترات على الرغم من التصريحات والتهديدات التي أطلقتها إيران التي كبحت جماح حزب الله وتركت لها هامش التحرك على ان لا تتعدى اعمالها القتالية بعض العمليات التعجيزية حفاظا على ماء الوجه، كما ان الهجمات الحوثية التي لا يمكن ان تحصل الا بموافقة ومساعدة إيرانية تضر بعض الدول وإسرائيل ليست منهم. لهذا لن تكون هناك ارتدادات إقليمية للحرب المستعرة بين إسرائيل وحماس ولن ينخرط اية جهة او دولة في المنطقة الا إذا رغبت الولايات المتحدة وإيران في فتح جبهة لهما منها هدف ما، لكن على الاغلب لن يحصل ذلك لان الاتفاق الضمني بين الطرفين يسمح لتصعيد التوترات وحتى القيام ببعض الاعمال العداءة التعجيزية على ان لا يتعدى ذلك.

وجود سلطة قوية على راس دولة مختلفة مع دول المنطقة يخدم مصالح أمريكا وإسرائيل بشكل مباشر او غير مباشر وهو ما يدفع الإدارات الامريكية المتعاقبة على التمسك بخطوطها الحمراء في مواجهة إيران اي الإبقاء على الخلافات والتصريحات الشديدة اللهجة والعقوبات والعدائية السياسية دون السماح ان تصل الى صراع عسكري.

الشعب الفلسطيني في غزة هو ضحية رفض إسرائيل للحلول السياسية وضحية الاخوان الذين اختطفوا السلطة فيها. واستغلال دول إقليمية في المقدمة إيران وتركيا لحماس في سبيل تحقيق اجنداتهم الإقليمية.

حسين عمر

22/12/2023

نشر في موقع ايلاف الالكتروني